تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
لمن نظر في توحيد اللّه من طلب ماهيته وحقيقته ، وهو معرفة ذاته التي ما تعرف ، وحجر التفكر فيها لعظم قدرها ، وعدم المناسبة بينها وبين ما يتوهم أن يكون دليلا عليها ، فلا يتصورها وهم ولا يقيدها عقل ، بل لها الجلال والتعظيم ،

[ التوحيد الثاني والثلاثون في القرآن وهو توحيد الذكرى : ]

واعلم أن هذا هو التوحيد الثاني والثلاثون في القرآن ، وهو توحيد الذكرى ، وهو توحيد اللّه ، فإن الإنسان لما جبله اللّه على الغفلات - رحمة به - فيغفل عن توحيد اللّه بما يطالعه في كل حين من مشاهدة الأسباب ، التي يظهر التكوين عندها ، وليس ثمة إدراك يشهد به عين وجه الحق في الأسباب التي يكون عنها التكوين ، وهو لاستيلاء الغفلة وهذا الغطاء يتخيل أن التكوين من عين الأسباب ، فإذا جاءته الذكرى - على أي وجه - علم بمجيئها أنها تدل لذاتها على أنه لا إله إلا اللّه ، وأن تلك الأسباب لولا وجه الأمر الإلهي فيها ، أو هي عين الأمر الإلهي ، ما تكوّن عنها شيء أصلا ، فلما كان هذا التوحيد بعد ستر رفعته الذكرى ، أنتج له أن يسأل ستر اللّه للمؤمنين والمؤمنات ، فقال تعالى :
« وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ »
فهي من منن اللّه على عبده ، واعلم أن التلفظ بشهادة الرسالة المقرونة بشهادة التوحيد فيه سر إلهي ، وهو أن الإله الواحد الذي جاء بوصفه ونعته الشارع ، ما هو التوحيد الإلهي الذي أدركه العقل ، للصفات التي لا يقبلها توحيد العقل المجرد عن الشرع ، فهذا المعبود ينبغي أن تقرن شهادة الرسول برسالته بشهادة توحيد مرسله ، ولهذا يضاف إليه

[ إشارة وتحقيق : الأكابر يلزمون في الذكر ( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ )

: ] - إشارة وتحقيق - الأكابر يلتزمون في الذكر
( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ )
على غير ما يعطيه النظر العقلي ، أي الوجود هو اللّه ، والعدم منفي الذات والعين بالنفي الذاتي ، والثابت ثابت الذات والعين بالإثبات الذاتي ، وتوجه النفي على النكرة وهو
« إِلهَ »
وتوجه الإثبات على المعرفة وهو
« اللَّهُ »
وإنما توجه النفي على النكرة وهو
« إِلهَ »
لأن تحتها كل شيء ، وما من شيء إلا وله نصيب من الألوهة يدعيه ، فلهذا توجه عليه النفي ، لأن الإله من لا يتعين له نصيب ، فله الأنصباء كلها .

[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 20 إلى 21 ]

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ ( 20 ) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ( 21 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 142 | ابن عربي / محمود محمود الغراب