تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
بعدم المعارضة ، وقوله « النور المبين » و « علم اليقين » يريد قوله تعالى
( ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ )
.

[ سورة ص ( 38 ) : آية 5 ]

أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ( 5 )

[ الإله لا يكون بالجعل ]

قال المشركون لما دعوا إلى توحيد الإله في ألوهته بقوله تعالى :
( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ )
أكثروا التعجب وقالوا :
« أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً »
فهي حكاية اللّه لنا عن المشرك أنه قال هكذا ، إما لفظا وإما معنى ، والمشرك هو من جعل مع اللّه إلها آخر من واحد فما زاد ، وكان ذلك من أجل اعتقادهم فيما عبدوه أنهم آلهة دون اللّه ، المشهود له عندهم بالعظمة على الجميع ، والذي قالوا فيه
( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى )
« إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ »
فالناس يحملون هذا القول على أنه من قول الكفار ، حيث دعاهم إلى توحيد إله وهم يعتقدون كثرتها ، وما علموا أن جعل الألوهية من الكثيرين أعجب ، ففي الحقيقة ليس العجب ممن وحّد ، وإنما العجب ممن كثر الآلهة بلا دليل ولا برهان ، وهذا القول عندنا من قول الحق ، أو قول الرسول ، وأما قول الكفار فانته في قوله
« إِلهاً واحِداً »
والتعجب أنه بأول العقل يعلم الإنسان أن الإله لا يكون بجعل جاعل ، فإنه إله لنفسه ، ولهذا وقع التوبيخ بقوله تعالى :
( أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ )
والإله في ضرورة العقل لا يتأثر ، وقد كان هذا خشبة يلعب بها أو حجرا يستجمر به ، ثم أخذه وجعله إلها يذل ويفتقر إليه ويدعوه خوفا وطمعا ، فمن مثل هذا يقع التعجب مع وجود العقل عندهم ، فوقع التعجب من ذلك ، ليعلم من حجب العقول عن إدراك ما هو لها بديهي وضروري ، ذلك لتعلموا أن الأمور بيد اللّه ، وأن الحكم فيها للّه ، وأن العقول لا تعقل بنفسها ، وإنما تعقل ما تعقله بما يلقي إليها ربها وخالقها ، ولهذا تتفاوت درجاتها ، فمن عقل مجعول عليه قفل ، ومن عقل محبوس في كنّ ، ومن عقل طلع على مرآته صدأ ، فلو كانت العقول تعقل لنفسها ، لما أنكرت توحيد موجدها في قوم وعقلته في قوم ، والحد والحقيقة فيها على السواء ، فلهذا جعلنا قوله تعالى
« إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ »
ليس من قول الكفار بل قال اللّه عند قولهم
« أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً »
« إن هذا لشيء عجاب » حيث جعلوا الإله الواحد آلهة ، وخصوص وصفه أنه إله ، وبه يتميز ، فلا يتكثر بما به يتميز ، ويشهد لهذا النظر قولهم فيما