تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
عن ذاته ، ولم يصرح باسم إلهي معيّن منصوص عليه ، اكتفاء بتسميتهم جندا ، والأجناد لا تكون إلا للملك ، فالإضافة إليه سبحانه من اسمه الملك ، فهم عبيد الملك ، وبيّن أنهم أهل عدة ، إذ كانت العدة من خصائص الأجناد التي تقع بها الغلبة على الأعداء ، والأعداء الذين في مقابلة هؤلاء الأجناد الشياطين والأهواء والمصارف المذمومة كلها ، وسلطانهم الهوى ، وعدة هؤلاء الجند التقوى والمراقبة والحياء والخشية والصبر والافتقار ، والميدان الذي يكون فيه المصاف والمقابلة إذا تراءى الجمعان بينهم وبين الأعداء ، هو العلم في حق بعض الأجناد ، والإيمان في حق بعضهم ، والعلم والإيمان معا في حق الطبقة الثالثة من الجند ، والآلة التي يدفع بها العدو المنازع هو الدليل القطعي من جهة النظر عند العلماء بتوحيد اللّه ، أو بخرق العادة عند أهل الإيمان الذين لهم علم ضروري يجدونه في أنفسهم ، فتقوم لهم خرق العوائد مقام الأدلة للعالم ، فيدفعون بخرق العوائد أعداء اللّه وأعداءهم كما يدفعه صاحب الدليل ، وكل شخص يقدر على دفع عدو بآلة تكون عنده فهو من جنده سبحانه وتعالى ، الذين لهم الغلبة والقهر ، وهو التأييد الإلهي الذي به يقع ظهورهم على الأعداء ، وأما قوله تعالى :
« لَهُمُ الْغالِبُونَ »
الذين لا يغلبون ؛ فمنهم الريح العقيم ، ومنهم الطير التي أرسلت على أصحاب الفيل ، وكذلك كل جند ليس لمخلوق فيه تصرف ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : [ نصرت بالصبا ] وقال : [ نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر ] وتختلف الجند ، فإن جند الرياح ما هي جند الطير ، ما هي جند المعاني الحاصلة في نفوس الأعداء كالروع والجبن ، ومنته كل جند إلى فعله الذي وجّه إليه من حصار قلعة وضرب مصاف أو غارة أو كبسة ، كل جند له خاصية في نفس الأمر لا يتعداها ، قال تعالى في الطير
( تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ )
وقال في الريح
( ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ )
وقال في الرعب
( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ )
.

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 174 إلى 177 ]

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يغير على مدينة إذا جاءها ليلا حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك