تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
بعثناه به
« إِلَّا ذِكْرٌ »
لأنه أخذه عن مجالسة من الحق لما شاهده ، حين جذبناه وغيبناه عنه وأحضرناه بنا عندنا ، فكنا سمعه وبصره ، ثم رددناه إليكم لتهتدوا به في ظلمات الجهل والكون ، فكنا لسانه الذي يخاطبكم به ، ثم أنزلنا عليه مذكّرا يذكره بما شاهده ، فهو ذكر له لذلك
« وَقُرْآنٌ »
أي جمع أشياء كان شاهدها عندنا
« مُبِينٌ »
أي ظاهر له ، ما فيه لغز ولا رمز كما هو في الشعر ، فهو مفصّل ، في عين الجمع ، لعلمه بأصل ما شاهده وعاينه في ذلك التقريب الأنزه الأقدس الذي نال منه صلّى اللّه عليه وسلم ، فما أخذه عن شعور ، فإنه كل ما عيّنه صاحب الشعور في المشعور به فإنه حدس - ولو وافق الأمر ويكون علما - فما هو على بصيرة ، وهذا هو الفرق بين العلم والشعور ، فحظ الشعور من العلم أن تعلم أن خلف الباب أمرا ما على الجملة ، لا يعلم ما هو ، وأما العلم فلا يكون حصوله إلا عن كشف بعد فتح الباب ، يعطيه الجود الإلهي ويبديه ويوضحه .

[ سورة يس ( 36 ) : آية 70 ]

لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 )

[ المستغرقون بهذه الدار الدنيا أموات غير أحياء ]

المستغرقون بهذه الدار الدنيا أموات غير أحياء وما يشعرون ، والمؤمنون قد تهيئوا للحياة فلا بستهم ، فانسحب عليهم اسم الحياة وإن لم يتحققوا بها ، ولذلك وعدوا مهلة بسوف والسين ، قال سبحانه وتعالى :
( فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )
فبملابسة الحياة يسمعون من النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأنه قد صار حياة محضة لا موت فيها ، وحكمة اللّه جارية بالمناسبة ، فلا يسمع من الحي إلا حي ، ولذلك قيل له صلّى اللّه عليه وسلم « لتنذر من كان حيا » وقيل له
( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى )
وقيل له
( وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ )
وقد نادى قتلى مشركي بدر وأخبر أنهم يسمعون قوله ، فمن لابسته الحياة سمع من الحي وأسمع الميت ، لأنه بجزئه الحي ناسب الحي فاستمد منه ، وبجزئه الميت ناسب الميت فأمده .

[ سورة يس ( 36 ) : آية 71 ]

أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 )

[ كل يد خالقة في العالم هي يد الحق ، يد ملك وتصريف ]

زاد اللّه في تشريف خلق آدم عليه السلام باليدين قوله معرفا الأناسي الحيوانيين بكمال الأناسي المكملين
« أَ وَلَمْ يَرَوْا »
الضمير في يروا يعود على الأناسي الحيوانيين ،
« أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ »
أي من أجلهم ، الضمير في
« لَهُمْ »
يعود على الأناسي الكمل المقصودين من العالم بالخطاب
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 473 | ابن عربي / محمود محمود الغراب