تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣

[ سورة الروم ( 30 ) : آية 30 ]

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 )

[ الفطرة ]

« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً »
أي مائلا في جميع أحوالك من اللّه إلى اللّه عن مشاهدة وعيان ، ومن نفسك إلى اللّه عن أمر اللّه وإيثار لجناب اللّه ، ومن كل ما ينبغي أن يحال عنه عن أمر اللّه
« فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها »
إن الإيمان الأصلي هو الفطرة التي فطر الناس عليها ، وهو شهادتهم له سبحانه بالوحدانية في الأخذ الميثاقي ، فكل مولود يولد على ذلك الميثاق ، ولكن لما حصل في حصر الطبيعة بهذا الجسم محل النسيان جهل الحالة التي كان عليها مع ربّه ونسيها ، فافتقر إلى النظر في الأدلة على وحدانية خالقه ، إذا بلغ إلى الحالة التي يعطيها النظر ، وإن لم يبلغ هذا الحد فحكمه حكم والديه ، فإن كانا مؤمنين أخذ بتوحيد اللّه تعالى منهما تقليدا ، وإن كانا على أي دين كان ألحق بهما ، فالفطرة التي فطر الناس عليها هي
( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى )
فكل مولود يولد على هذه الفطرة ؛ وفطرة كل شيء هو ما يقع به الفصل بين الصور فيقال : هذا ليس هذا ، إذ قد يقال : هذا عين هذا من حيث ما يقع به الاشتراك ، ففطرة اللّه التي فطر الناس عليها كونهم عبيده ، فمن أحوال الفطرة التي فطر اللّه الخلق عليها أن لا يعبدوا إلا اللّه ، فبقوا على تلك الفطرة في توحيد اللّه ، فما جعلوا مع اللّه مسمى آخر هو اللّه ، بل جعلوا آلهة على طريق القربة إلى اللّه ، ولهذا قال : سموهم ؛ فإنهم إذا سموهم بان أنهم ما عبدوا إلا اللّه ، فما عبد كل عابد إلا اللّه في المحل الذي نسب الألوهية له ، فصح بقاء التوحيد للّه الذي أقروا به في الميثاق وأن الفطرة مستصحبة
« لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ »
- الوجه الأول - وهو الفطرة وهو ما شهد به للّه في أول مرة - الوجه الثاني -
« لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ »
أي التبديل للّه ليس للخلق تبديل ، وقد يكون معناه لا تبديل لخلق اللّه من كونه أعطى كل شيء خلقه ، وخلق اللّه كلماته فلا تبديل لخلق ، لا تبديل لكلمات اللّه ، وإنما التبديل للّه ، فيسوغ في هذه الآية أن خلق اللّه هي كلمات اللّه ، فهي عبارة عن الموجودات ، كما قال في عيسى عليه السلام إنه كلمته ألقاها إلى مريم ، فنفى أن يكون للموجودات تبديل ، بل التبديل للّه ، ولا سيما وظاهر الآية يدل على هذا التأويل ،