للعقل نور يدرك به أمورا مخصوصة ، وللإيمان نور به يدرك كل شيء ما لم يقم مانع ، فبنور العقل تصل إلى معرفة الألوهية وما يجب لها وما يستحيل ، وما يجوز منها فلا يستحيل ولا يجب ، وبنور الإيمان يدرك العقل معرفة الذات وما نسب الحق إلى نفسه من النعوت ، فإن للعقول حدا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة لا من حيث ما هي قابلة ، فنقول في الأمر الذي يستحيل عقلا : قد لا يستحيل نسبة إلهية كما نقول فيما يجوز عقلا : يستحيل نسبة إلهية .
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 25 إلى 27 ]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( 25 ) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 26 ) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 )
[ بدء الخلق والإعادة ]
« وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »
إن اللّه هو المبدئ ، فهو يبدئ كل شيء خلقا ، ثم يعيده أي يرجع الحكم إليه بأن يخلق ، فقوله :
« يُعِيدُهُ »
أي يعيد الخلق أي يفعل في العين التي يريد إيجادها ما فعل فيمن أوجدها ، وليس إلا الإيجاد ، فإن الخلق يراد به المخلوق في موضع مثل قوله :
( هذا خَلْقُ اللَّهِ )
ويراد به الفعل مثل قوله :
( ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ )
فقوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »
إنما يراد به هنا الفعل لا المخلوق ، فإن عين المخلوقات ما زالت من الوجود من قوله :
« هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ »
وأعني به الذات القائمة بنفسها ، وإنما انتقلت من الدنيا إلى البرزخ ، كما تنتقل من البرزخ إلى الحشر إلى الجنة أو إلى النار ، وهي هي من حيث جوهرها ، لا أنها عدمت ثم وجدت ، فتكون الإعادة في حقها ، فهو انتقال من وجود إلى وجود ، من مقام إلى مقام ، من دار إلى دار ، لأن النشأة التي تخلق عليها في الآخرة ما تشبه نشأة الدنيا إلا في اسم النشء ، فنشأة الآخرة