تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
هذا هو التوحيد الثالث والعشرون في القرآن ،

[ توحيد الاختيار ]

وهو توحيد الاختيار
( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ )
وهو من توحيد الهوية ، فإن الدليل يعطي أن لا يكون في العالم تفاضل ، ولا مختار يفضل عند اللّه غيره من حيث نسبة العالم إلى اللّه ، فإن نسبته واحدة ، ورأينا الأمر على غير هذا خرج ، وفي القرآن كثير من تفضيل كل جنس بعضه على بعض ، حتى القرآن وهو كلام اللّه يفضل على سائر الكتب المنزلة وهي كلام اللّه ، والقرآن نفسه يفضل بعضه على بعض مع نسبته إلى اللّه أنه كلامه بلا شك ، فآية الكرسي سيدة آي القرآن ، وهي قرآن ، فعلمنا من هذا أن الحكمة التي يقتضيها النظر العقلي ليست بصحيحة ، وأن حكمة اللّه في الأمور هي الحكمة الصحيحة التي لا تعقل ، وإن كانت لا تعلم فما تجهل ، لكن لا تعيّن بمجرد فكر ولا نظر ، فلما رأينا التفاضل والاختيار وقع في العالم حتى في الأذكار الإلهية المشروعة كما ذكرنا ، علمنا أن ثمّ أمرا معقولا ما هو عين أعيان الكائنات ، فإذا بذلك عين المشيئة ، فيها ظهر هذا التفضيل في الواحد ، والتفضيل في المتساوي ، والواحد لا يتصف بالتفضيل ، والمتساوي لا ينعت بالتفضيل ، فعلمنا أن سر اللّه مجهول لا يعلمه إلا هو ، فوجدناه توحيد الاختيار في حضرة السر
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى »
وهو حمد الإجمال
« وَالْآخِرَةِ »
وهو حمد التفصيل ، فتميزت المحامد في العين الواحدة فكان حمدها عينها
« وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
أي الحكم وهو القضاء ، فالضمير في
« إِلَيْهِ »
يعود على الحكم ، فإنه أقرب مذكور ، فلا يعود على الأبعد ويتعدى الأقرب إلا بقرينة حال ، هذا هو المعلوم في اللسان الذي أنزل به القرآن فالقضاء الذي له المضي في الأمور هو الحكم الإلهي على الأشياء بكذا ، والقدر ما يقع بوجوده في موجود معين المصلحة المتعدية منه إلى غير ذلك الموجود ، فالقضاء يحكم على القدر ، والقدر لا حكم له في القضاء ، بل حكمه في المقدر لا غير بحكم القضاء ، فالقاضي حاكم والمقدّر مؤقت ، ولما أوجد سبحانه كتابين من كونه سبحانه خلق من كل شيء زوجين ، فالقضاء وهو الحكم للكتاب الأول وهو الأم ، ويطلبه حكم الكتاب الثاني وهو القدر الذي به تقوم الحجة ،
« وَلَهُ الْحُكْمُ »
بالكتاب الأول
« وَإِلَيْهِ »
إلى هذا الكتاب
« تُرْجَعُونَ »
.

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 71 إلى 73 ]

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 72 ) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 73 )