تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
فإن اللّه جعل لكل موطن حكما لا يكون لغيره ، وظهر في القلب أحدي العين ، فجسّده الخيال وقسّمه ، فأخذه اللسان فصيره ذا حرف وصوت ، وقيد به سمع الآذان ، ليترجم عن القرآن ، بما علمه الحق من البيان ، الذي لم يقبله إلا الإنسان ، فأبان أنه مترجم عن اللّه لا عن الرحمن ، لما فيه من الرحمة والقهر والسلطان ، فقال تعالى
( فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ )
فتلاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بلسانه أصواتا وحروفا ، سمعها الأعرابي بسمع أذنه في حال ترجمته ، فالكلام للّه بلا شك ، والترجمة للمتكلم به ، ولا يزال القرآن ينزل على قلوب أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة ، فنزوله في القلوب جديد لا يبلى ، فهو الوحي الدائم ، فلا يزال كلام اللّه من حين نزوله يتلى حروفا وأصواتا إلى أن يرفع من الصدور ، ويمحى من المصاحف ، فلا يبقى مترجم يقبل نزول القرآن عليه فلا يبقى الإنسان المخلوق على الصورة
« لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ »
أي المعلمين ، فذكر الإنذار ، وهكذا في قوله ( يلقي الروح على من يشاء من عباده لينذر ) من الزجر حيث ساق الإعلام بلفظة الإنذار « 1 » ، فهو إعلام بزجر ، وهو البشير النذير ، والبشارة لا تكون إلا عن إعلام ، فغلب في الإنزال الروحاني باب الزجر والخوف ، لما قام بالنفوس من الطمأنينة الموجبة إرسال الرسل ، ليعلموهم أنهم عن الدنيا إلى الآخرة منقلبون ، وإلى اللّه من نفوسهم راجعون .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 195 ]

بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) - إشارة - انظر في القرآن بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لا تنظر فيه بما أنزل على العرب ، فتخيب عن إدراك معانيه ، فإنه نزل بلسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لسان عربي مبين ، فإذا تكلمت في القرآن بما هو به محمد صلّى اللّه عليه وسلم متكلم ، نزلت عن ذلك الفهم إلى فهم السامع من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن الخطاب على قدر السامع ، لا على قدر المتكلم ، وليس سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وفهمه فيه فهم السامع من أمته فيه إذا تلاه عليه - الفرق بين نزول القرآن على قلب النبي ونزوله على قلب الولي - من جاءه القرآن عن ظهر غيب أعطي الرؤية من خلفه كما أعطيها من أمامه ، إذ كان القرآن لا ينزل إلا مواجهة ، فهو للنبي صلّى اللّه عليه وسلم من وجهين : وجه معتاد ، ووجه غير معتاد ، وهو للوارث من وجه غير معتاد ، فسمي ظهرا بحكم الأصل ، وهو وجه بحكم الفرع ، والذي ينزل القرآن على قلبه ينزل بالفهم ، فيعرف ما يقرأ وإن كان
هامش
( 1 ) في الأصل الإنزال .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 273 | ابن عربي / محمود محمود الغراب