قال هذا الكلام موسى عليه السلام لفرعون وآله ، فإنه لما وقع من موسى عليه السلام ما وقع من قتل القبطي ففرّ إلى النجاة ، التي يمكن أن تحصل له بالفرار ، فإنه علم أن اللّه وضع الأسباب ، وجعل لها أثرا في العالم بما يوافق الأغراض وبما لا يوافقها ، وبما يلائم الطبع وبما لا يلائمه ، فرأى أن الفرار من الأسباب الإلهية الموضوعة في بعض المواطن لوجود النجاة ، فهو فرار طبيعي ، لأنه ذكر أن الخوف من السبب جعله يفر ، لكنه معرّى عن التعريف بما ذكرناه من الوضع الإلهي ، فإن هذا كان قبل نبوته ومعرفته بما يريده الحق به .
ويحتمل أن يكون فرار موسى عليه السلام الذي علله بالخوف من فرعون وقومه ، ما كان خوفه إلا من اللّه أن يسلطهم عليه ، إذ له ذلك ، فإنه فعال لما يريد ، ولا يدري ما في علم اللّه ، فكان فراره إلى ربه ليعتز به
« فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ »
فلما فر خوفا من فرعون ، تلقاه الحق بالنجاة ، وجمع بينه وبين رسول من رسله ، وهو شعيب عليهما السلام ، ثم أعطاه النبوة والحكم ، الذي خاطب اللّه به القبط وبني إسرائيل أن يكونوا عليه ، فوهبه ربه حكما وعلما ، وجعله من المرسلين إلى من خاف منهم ، بالاعتزاز باللّه ، وأيده اللّه بالآيات البينات ، ليشد منه ما ضعف مما يطلبه حكم الطبيعة في هذه النشأة ، فجعله من المرسلين إلى من خاف أن يسلّط عليه ، وهو فرعون ، فكان موسى عليه السلام خليفة رسولا ، لأن الرسول لا يكون حاكما حتى يكون خليفة ، وكان ذلك نتيجة الفرار من