تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
فرعون وآله ، فأنتج له ذلك الفرار الحكم الذي هو الإمامة والخلافة والرسالة ، مع كون السبب الموجب الذي ذكره - تحقيق - لا شيء ألطف من الخواطر والأوهام ، وهي الحاكمة على الكثائف ، لضعف الكثيف وقوة سلطان اللطيف ، الدليل التغير بالخوف ، والمخوف من حلوله ما له عين وجودية . وقد أحدث الخوف في جسم الخائف حركة الهرب ، وطلب الستر والمدافعة ، وما وقع شيء إلا عين الخوف وهو لطيف .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 22 ]

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 )
« وَتِلْكَ نِعْمَةٌ »
هو قول فرعون
( أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ؟ )
فتلك النعمة تربية فرعون ، والمنّ يبطل الإنعام ، لأنه استعجال الجزاء ، ولما كان من شأن فرعون إذلال بني إسرائيل ، وموسى عليه السلام منهم ، وكان قد أعزه وتبناه ، فهذا معنى قوله
« أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ »
.

[ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 23 ]

قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) لما دعا موسى فرعون إلى اللّه رب العالمين ، فسأله فرعون :
« وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ؟ »
يسأله عن الماهية ، ولما كانت ذات اللّه لا يجوز أن تطلب « بما » كما طلب فرعون ، فأخطأ في السؤال ، لهذا عدل موسى عليه السلام عن جواب سؤاله ، لأن السؤال إذا كان خطأ لا يلزم الجواب عنه ، وكان المجلس مجلس عامة ، فلذلك تكلم موسى بما تكلم به ، وفي السؤال عن الحق بلفظ
« ما »
خلاف ، فإن الحق سبحانه ما نهى فرعون على لسان موسى عليه السلام عن سؤاله ، بل أجاب بما يليق به الجواب عن ذاك الجناب العالي ، وإن كان وقع الجواب غير مطابق للسؤال ، فذلك راجع لاصطلاح من اصطلح على أنه لا يسأل بذلك إلا عن الماهية المركبة ، واصطلح عن أن الجواب بالأثر لا يكون جوابا لمن سأل « بما » وهذا الاصطلاح لا يلزم الخصم ، فلم يمنع هذا السؤال بهذه الصيغة عليه ، إذ كانت الألفاظ لا تطلب لنفسها ، وإنما تطلب لما تدل عليه من المعاني التي وضعت لها ، فإنها بحكم الوضع ، وما كل طائفة وضعتها بإزاء ما وضعتها الأخرى ، فيكون الخلاف في عبارة لا في حقيقة ، ولا يعتبر الخلاف إلا في المعاني ، ومذهبنا في ذلك هو : أن ما حجّر الشرع علينا حجّرناه ،