تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
فهي أعماله تعالى ، وأعماله كلها كاملة الحسن ، لا نقض فيها ولا قبح ، فإن السوء والقبح الذي كان ينسب إليها إنما كان ذلك بمخالفة حكم اللّه لا أعيانها ، فبدل اللّه سيئاتهم حسنات ، وما هو إلا تبديل الحكم لا تبديل العين ، فمن حكم في نفسه لنفسه ، وندم في يومه على ما فرط فيه من أمسه ، ليجبر بذلك ما فاته ، ويحيي منه بالندم ما أماته ، فإذا أقامه من قبره ، فذلك أوان نشره ، وأوان حشره ، فيبدل اللّه سيئاته حسنات ، وينقل من أسفل درجاته إلى أعلى الدرجات ، حتى يود لو أنه أتى بقراب الأرض خطايا ، أو لو حمل ذنوب البرايا ، لما يعاينه من حسن التحويل ، وجميل صور التبديل ، فيفوز بالحسنيين ، وهنالك يعلم ما أخفى له فيه من قرة عين ، ففاز في الدنيا باتباع الهوى ، وفي الآخرة بجنة المأوى ، فمن الناس من إذا حرم رحم ، وجوزي جزاء من عصم ، فجزاء بعض المذنبين أعظم من جزاء المحسنين ، ولا سيما أهل الكبائر ، والمنتظرين حلول الدوائر ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . لما نزلت هذه الآية قال وحشي قاتل حمزة رضي اللّه عنه : ومن لي بأن أوفق إلى العمل الصالح الذي اشترطه علينا في التبديل ؟ فجاءه الجواب :
( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ )
فقال وحشي : وما أدري هل أنا ممن شاء أن يغفر له أم لا ؟ فجاءه الجواب :
( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
فلما قرأ وحشي هذا قال : الآن فأسلم ، ولهذا قال حاجب الباب الإلهي وهو الشارع [ إن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ] فيبدل سيئاته حسنات بالتوبة والعمل الصالح .

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 71 إلى 72 ]

وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً ( 71 ) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ( 72 )
« وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ »
شهادة الزور الميل إلى الباطل عن الحق ، فإن الزور هو الميل
« وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً »
أي لم ينظروا لما أسقط اللّه النظر إليه ، فلم يتدنسوا بشيء منه ، فمروا به غير ملتفتين إليه
« كِراماً »
فما أثر فيهم ، فإنه مقام تستحليه النفوس ، وتقبل عليه للمخالفة التي جبلها اللّه عليه ، وهذه هي النفوس الأبية أي التي تأبى الرذائل ،
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 257 | ابن عربي / محمود محمود الغراب