تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
على العاصي إما بالأخذ وإما بالمغفرة ، والرجوع على الطائع بالإحسان ، ولما كان الحكم للمشيئة الإلهية كان اللّه أكثر رجوعا إلى العباد من العباد إليه ، فإن رجوع العباد إلى اللّه بإرجاع اللّه ، فما رجعوا إلى اللّه إلا باللّه .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 116 ]

فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 )

[ توحيد الحق ]

هذا هو التوحيد الحادي والعشرون في القرآن ، هو توحيد الحق ، وهو توحيد الهوية ، فلا إله إلا هو من نعوت الحق ، فالأمر الذي ظهر فيه وجود العالم هو الحق ، وما ظهر إلا في نفس الرحمن ، وهو العماء فهو الحق
« رَبُّ الْعَرْشِ » *
الذي أعطاه الشكل الإحاطي لكونه بكل شيء محيطا ، فالأصل الذي ظهر فيه صور العالم بكل شيء من عالم الأجسام محيط ، وليس إلا الحق المخلوق به ، فكأنه لهذا القبول كالظرف ، يبرز منه وجود ما يحوي عليه طبقا عن طبق ، عينا بعد عين على الترتيب الحكمي ، فأبرز ما كان فيه غيبا ليشهده فيوحده ، فيوحده مع صدوره عنه ، قال تعالى
( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ )
فهو عين واحدة وإن تعددت الصور فيه ، ثم تمم تعالى فقال
« الْكَرِيمِ » *
وصف العرش بأنه كريم لأنه بحركته أعطى ما في قوته لمن هو تحت إحاطته وقبضته .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 117 ]

وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) اعلم أن الشبهة تأتي في صورة البرهان ، وهذه الآية ذم للمقلدة لا لأصحاب النظر وإن أخطئوا والحضرة الإلهية تقبل جميع العقائد إلا الشرك فإنها لا تقبله ، فإن الشريك عدم محض ، والوجود المطلق لا يقبل العدم ، والشريك لا شك أنه خارج عن شريكه بخلاف ما يعتقد فيه مما يتصف به الموصوف في نفسه ، فلهذا قلنا لا يقبل الشريك لأنه ما ثمّ شريك حتى يقبل ، وهذه أرجى آية للمشرك عن نظر جهد الطاقة ، وتخيله في شبهه أنها برهان ، فيقوم له العذر عند اللّه قال تعالى
« وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ »
يعني في زعمه ، فإنه ما اتخذه إلها إلا عن برهان في زعمه ، فدل على أنه من قام له برهان في نظره أنه غير