تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
بعده ، فلا أشد عليهم عذابا من هذا الخطاب ، وخطاب اللّه تعالى هذا هو كلام الملك عن اللّه تعالى ، لأن كلام اللّه تعالى عباده شرف ، قال تعالى :
( وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ )
وقد يكون خطابا من الحق لهم وهم في النار ، فخاطبهم وهم يسمعون .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 109 ]

إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) سبحانه وتعالى خير الراحمين من باب المفاضلة ، وما جاء قط عنه تعالى أنه خير الآخذين ، ولا الباطشين ولا المنتقمين ولا المعذبين كما جاء خير الفاصلين ، وخير الغافرين ، وخير الراحمين ، وخير الشاكرين ، وأمثال هذا ، مع كونه يبطش وينتقم ويأخذ ويهلك ويعذب ، لا بطريق الأفضلية فتدبر ذلك .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 110 إلى 115 ]

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 ) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ( 111 ) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ( 112 ) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ( 113 ) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 114 ) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 )
« أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً »
هو قوله تعالى
( ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ )
ومن هنا وقع التنبيه على معرفة الحكمة التي أوجد اللّه لها العالم ، فإن الحق مع غناه في نفسه عن العالمين ، لما خلقهم لم يمكن إلا الرجوع إليهم والاشتغال بهم ، وحفظ العالم فإنه ما أوجده عبثا ، فيرجع إليه سبحانه بحسب ما يطلبه كل شخص شخص ، فلم يكن ذلك إلا إظهارا لحكمة عموم الرجوع الإلهي إلى العباد بحسب أحوالهم ، فإنه عام الرجوع ، فرجع على الطائعين بما وعد ، ورجع على العاصين بالمغفرة وإن عاقب ، فإن الحال الذي قام فيه العبد إذا كان سوءا فإن لسان الحال يطلب من الحق ما يجازيه به ويرجع به عليه ، إما على التخيير ، وذلك ليس إلا لحال المعصية القائم بالعاصي ، وإما على الوجوب بالتعيين ، فالرجوع الإلهي
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 197 | ابن عربي / محمود محمود الغراب