تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
علما مؤتى ، آتاه اللّه ، وعلم سليمان علم اللّه في المسألة ، فحكم اللّه في القصة حكم سليمان فهو مصيب بعين الحكم ومصيب في الاجتهاد ، وداود مصيب من وجه واحد ، وحكمه من عند اللّه آتاه إياه ، فهو بمنزلة المجتهد المخطئ من أمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن العلماء ورثة الأنبياء بإطلاقه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد قال في المجتهد إذا أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران ، ومن رزق الفهم من المحدثات فقد رزق العلم ، وما كل من رزق علما كان صاحب فهم ، فالفهم درجة عليا في المحدثات ، وفي الفهم عن اللّه يقع التفاضل بين العلماء باللّه ، والفهم قوة لا تتصرف إلا في المبهمات الممكنات وغوامض الأمور ، ويحتاج صاحب الفهم لمعرفة المواطن ،
« وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ »
داود منصوص على خلافته ، ومن أعطي الخلافة أعطي التحكم والتصرف في العالم ، فترجيع الجبال معه بالتسبيح والطير تؤذن بالموافقة ، فموافقة الإنسان أولى .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 80 إلى 83 ]

وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 ) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ( 81 ) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( 82 ) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 )

[ الشكوى إلى اللّه لا تقدح في الصبر ]

الشكوى إلى اللّه لا تقدح في الصبر ، ألا ترى إلى أيوب عليه السلام سأل ربه رفع البلاء عنه بقول
« أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ »
أي أصاب مني ، فشكا ذلك إلى ربه عزّ وجل ، وقال له :
« وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »
ففي هذه الكلمة إثبات وضع الأسباب ، وعرض فيها لربه برفع البلاء عنه ، فإن من النزاع الصبر على البلاء إذا لم يرفع إزالته إلى اللّه ، والدعاء لا يقتضي المنازعة ، فإنه ذلة وافتقار ، والنزاع رئاسة وسلطنة ، فلم يقدح دعاء أيوب عليه السلام في صبره ، وقد أثنى اللّه عليه بالصبر ، فقال مع ثبوت شكواه
« إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ »
فذكره بكثرة الرجوع إليه في كل أمر ينزل به ، فمن حبس نفسه عند الضر النازل
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 142 | ابن عربي / محمود محمود الغراب