تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
أقرب حالا من عبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا ، وهذا قول إبراهيم لأبيه ، وهو الذي قال فيه تعالى :
« وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ »
وأبوه من قومه فقول الخليل عليه السلام
« فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ »
من الحجة التي أعطاه اللّه ، ومنها .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 66 إلى 67 ]

قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) هذه الآية تدل على أن إبراهيم عليه السلام نبه قومه على أن العلم باللّه من كونه إلها من مدركات العقول ، فما أحالهم إلا على أمر يصح منه أن ينظر فيعلم بنظره ما هو الأمر عليه .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 68 ]

قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) ومن فتوة إبراهيم عليه السلام أن باع نفسه في حق أحدية خالقه لا في حق خالقه ، لأن الشريك ما ينفي وجود الخالق ، وإنما يتوجه على نفي الأحدية .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 69 ]

قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 )

[ النار تحرق بحقيقتها لا بصورتها ]

الأعيان لا تنقلب ، والحقائق لا تتبدل ، فالنار تحرق بحقيقتها لا بصورتها ، فالخطاب للصورة وهي الجمرات ، وأجرام الجمرات محرقة بالنار ، فلما قامت بها النار سميت نارا ، فتقبل البرد كما قبلت الحرارة ، فخاطبها الحق بقوله :
« يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ »
وهو أجره الذي آتاه اللّه في الدنيا ، فنجاه اللّه من النار وجعلها عليه بردا وسلاما ، وهي في الظاهر نار ولكن ما أثرت إحراقا في جسم إبراهيم ولا وجد ألما لها ، فليس العجب من ورد في بستان ، وإنما العجب من ورد في قعر النيران ، إبراهيم الخليل عليه السلام في وسط النار يتنعم ويلتذ ، ولو لم يكن عليه السلام إلا في حمايتها إياه من الوصول إليه ، فالأعداء يرونها في أعينهم نارا تأجج ، وهو يجدها بأمر اللّه إياها بردا وسلاما عليه ، فأعداؤه ينظرون إليه ولا يقدرون على الهجوم عليه .