تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
إلا حيي ذلك الموضع ؛ وما يطؤه الروح يعطي الحياة في أي صورة مركبة ، فلما أبصر السامري جبريل عليه السلام حين جاء لموسى عليه السلام وعرفه ، وعلم أن روحه عين ذاته ، وأن حياته حياة ذاتية ، فلا يطأ موضعا إلا حيي ذلك الموضع بمباشرة تلك الصورة الممثلة إياه ، وعلم أن وطأته يحيا بها ما وطئه من الأشياء ، فقبض قبضة من أثر الرسول ، بالصاد أو الضاد ، أي بملء أو بأطراف أصابعه ، فلما صاغ العجل وصوره ، نبذ فيه تلك القبضة فحيي ذلك العجل وخار ، إذ صوت البقر إنما هو خوار ، وكان ذلك من إلقاء الشيطان في نفس السامري ، لأن الشيطان يعلم منزلة الأرواح ، فوجد السامري في نفسه هذه القوة ، وما علم أنها من إلقاء إبليس ، فقال
« وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي »
وفعل ذلك إبليس من حرصه على إضلاله بما يعتقده من الشريك للّه تعالى .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 97 ]

قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 ) وإذا حرقه ونسفه لم ينتفع به ، فإنه لو أبقاه دخلت عليهم الشبهة بما يوجد في الحيوان من الضرر والنفع ، فحرقه ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم نسفا .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 98 ]

إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ( 98 )

[ توحيد السعة ]

هذا التوحيد هو الثامن عشر في القرآن ، وهو توحيد السعة من توحيد الهوية ، وهو توحيد تنزيه ، لئلا يتخيل في سعته الظرفية للعالم ، فقال إن سعته علمه بكل شيء لا أنه ظرف لشيء ، وسبب هذا التوحيد لما جاء في قصة السامري قوله عن العجل لما نبذ فيه ما قبضه من أثر الرسول ، فكان العجل ظرفا لما نبذ فيه ، فلما خار العجل قال السامري ( هذا إلهكم وإله موسى ) فقال موسى
« إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
لا تركيب فيه ، وسع كل شيء علما « أي هو عالم بكل شيء » أكذب السامري في قوله ، ونصب لهم الدلالة على كذب السامري مع كون العجل خار .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 105 | ابن عربي / محمود محمود الغراب