تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤

[ حياة كل الصور ]

السماوات والأرض جمع من يعقل ، وهذا التسبيح بوحي ذاتي تقتضيه ذواتهم ، وهو أنهم يسبحون بحمد اللّه لا يحتاجون في ذلك إلى تكليف ، بل هو لهم مثل النفس للمتنفس ، وذلك لكل عين على الانفراد ، فذكر سبحانه في كل حال ومن كل عين ، فالوجود كله حي ناطق بتعظيم الحق سبحانه ، لكنه يختلف نطقهم باختلاف حقائقهم ، وقوله تعالى
« وَمَنْ فِيهِنَّ »
ردّ على من يقول بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، كأنه يقول أهل السماوات السبع وأهل الأرض ، فنفى هذا الاحتمال بقوله
« وَمَنْ فِيهِنَّ »
إذ قد ورد مثل ذلك في قوله
( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ )
وليس هذا كذلك ، وقوله عليه السلام في أحد [ هذا جبل يحبنا ونحبه ] وقوله [ يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب ويابس ] وقوله [ وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة ] وهذه أمور كلها تقتضي العلم وهو مشروط بالحياة ، ولكن الحياة منها ما ظهر للحس ومنها ما لم يظهر ، فما لم يظهر بالعادة ظهر بخرق العادة ، فالكل حي ناطق بتسبيح اللّه وحمده ، ومعلوم أن ما هنا صوت معهود ولا حرف من الحروف المعلومة عندنا ، ولكنّ كلام كل جنس مما يشاكله ، وعلى حسب ما يليق بنشأته ويعطيه استعداد القبول للروحانية الإلهية السارية في كل موجود ، فالكل حي في نفس الأمر ذو نفس ناطقة ، ولا يمكن أن يكون في العالم صورة لا نفس لها ولا حياة ولا عبادة ذاتية وأمرية ، سواء كانت تلك الصورة مما يحدثها الإنسان من الأشكال أو يحدثها الحيوان ، ومن أحدثها من الخلق عن قصد وعن غير قصد ، فما هو إلا أن تتصور الصورة كيف تصورت وعلى يد من ظهرت ، إلا ويلبسها اللّه تعالى روحا من أمره ، ويتعرف إليها من حينه فتعرفه منها وتشهده فيها ، هكذا هو الأمر دنيا وآخرة ، فأكد ذلك بقوله
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »
وزاد في التوكيد بقوله
« وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ »
وأتى بلفظة من في قوله
« وَمَنْ فِيهِنَّ »
ولم يأت بما ، وأتى في الحشر بما ولم يأت بمن ، فإن سيبويه يقول : إن اسم ما يقع على كل شيء إلا أنه لم يعم الموجودات ، فوجلت قلوب من بقي منها ولم يقع له ذكر في التسبيح ، فجبر اللّه كسرها وأزال وجلها بقوله عقيب هذا القول
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »
وزاد في الثناء عليهم بجهل الناس تسبيحهم بقوله
« وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ »
فأخبر تعالى أن كل شيء يسبح بحمده كما هو الأمر عليه في نفسه ، وسد خلل الانكسار بقوله
« لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ »
بحرف الاستدراك وهو قوله
« وَلكِنْ »
طمعا في أن ينفردوا