[ الحق لا يدرك لا علما ولا رؤية ]
تعتبر هذه الآية منعا من النظر في ذات اللّه ، فهي لا تعلم ، فهو تعالى عن الإدراك فلم يدرك بعقل كنه جلاله ، ولم يدرك ببصر كنه ذاته عند تجليه حيثما تجلى لعباده ، فهو تعالى المتجلي الذي لا يدرك - الإدراك الذي يدرك فيه هو نفسه - لا علما ولا رؤية ، فلا ينبغي أن يقفو الإنسان علم ما قد علم أنه لا يبلغ إليه ، لذلك قال الصديق رضي اللّه عنه : العجز عن درك الإدراك إدراك .
تعالى عن التحديد بالفكر والخبر * كما جل عن حكم البصيرة والبصر
فليس لنا منه سوى ما يرومه * على كل حال في الدلالات والعبر
فأعلم أني ما تحققت غيره * وأعلم أني ما علمت سوى البشر
لذا منع الرحمن في وحيه على * لسان رسول اللّه في ذاته النظر
فقال ولا تقف الذي لست عالما * به فيكون الناظرون على خطر
فلم يولد الرحمن علما ولم يلد * وجودا فحقق من نهاك ومن أمر
« كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا »
اسم كان هو النفس المدبرة ، تسأل النفس عن سمعه وبصره وفؤاده ، وتدل هذه الآية على أن الأعضاء المكلفة طاهرة بحكم الأصل ، لا تزول عنها تلك الطهارة والعدالة ، وتستشهد يوم القيامة وتقبل شهادتها لزكاتها الأصلية ، وبدأ الحق في هذه الآية بالسمع وإن كان من خدم القلب ، لأن السمع إنما يكون بالقلب ، ولأنه أعم الأعضاء فائدة في الشرائع ، إذ لا بد للإنسان من معلم مرشد ، داخل فيه أو خارج عنه ، وجميع التكليف الوارد على القلب بذاته أو بواسطة الأعضاء إنما يوجد من قبل السمع ، ويدخل في ذلك قلب غير المؤيد بالوحي الإلهي أو المؤيد إذ قيل : فبهداهم اقتده ، وثنّى بالبصر ، لأنه أعظم شاهد بتصديق المسموع منه ، وبه حصول ما به التفكر والاعتبار غالبا ، تنبيها على عظمة ذلك ، وإن كان البصر هو القلب ، ثم رجع إلى الفؤاد الذي هو العمدة في ذلك ، فتقديمهما على جهة التعظيم له ، كما يقال : الجناب والمجلس ، وهما المبلغان إليه وعنه ، وفي تكليفه تكليف جميع خدمه ، وإنما شاركاه بالذكر تنبيها على عظيم مشاركتهما