تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠

[ الذي يحرم بالعموم في الخطاب المشروع على واحد يعم جميع المكلفين ]

الذي يحرم بالعموم في الخطاب المشروع على واحد يعم جميع المكلفين من غير اختصاص ، حتى لو قال بتحليل ذلك في حق شخص يتوجه عليه به لسان الذم في الظاهر كان كافرا عند الجميع ، وكان كاذبا في دعواه ، ولا تصح المنكرات إلا بما لا يتطرق إليه الاحتمال ، والحرام النص مأمور باجتنابه ، لأنه ممنوع تناوله في حق من منع منه لا في عين الممنوع ، فإن ذلك الممنوع بعينه قد أبيح لغيره لكون ذلك الغير على صفة ليست فيمن منع منه ، أباحته له تلك الصفة بإباحة الشارع ، فلهذا قلنا : لا في عين الممنوع ، فإنه ما حرّم شيء لعينه جملة واحدة ، ولهذا قال تعالى
( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )
فعلمنا أن الحكم بالمنع وغيره مبناه على حال المكلّف ، وفي مواضع على اسم الممنوع ، فإن تغير الاسم لتغير قام بالمحرم تغير الحكم على المكلّف في تناوله ، إما بجهة الإباحة أو الوجوب ، وكذلك إن تغير حال المكلّف الذي خوطب بالمنع من ذلك الشيء واجتنابه لأجل تلك الحال فإنه يرتفع عنه هذا الحكم ولا بد ، وإن كان الأمر على هذا الحد فما ثمّ عين محرمة لعينها .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 117 إلى 120 ]

مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 ) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) أخبر صلّى اللّه عليه وسلم أن العابد للّه بما يعطيه نظره إذا لم يكن على شرع من اللّه معيّن أنه يحشر أمة وحده بغير إمام يتبعه ، فجعله خيرا وألحقه بالأخيار ، كما قال تعالى في إبراهيم عليه السلام
« إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً »
وذلك قبل أن يوحي إليه ، والأمة معلم الخير
« قانِتاً لِلَّهِ »
أي مطيعا للّه في السر والعلانية ، ولا تكون الطاعة إلا عند المراسم الإلهية والأوامر الموقوفة على الخطاب
« حَنِيفاً »
مائلا في جميع أحواله من اللّه إلى اللّه عن مشاهدة وعيان ، ومن نفسه إلى اللّه عن
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 510 | ابن عربي / محمود محمود الغراب