تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
همة الداعي - الذي هو المبلغ - وإنما قبل من حيث ما وهبه اللّه في خلقه من مزاج يقتضي له قبول هذا وأمثاله ، وهذا المزاج الخاص لا يعلمه إلا اللّه الذي خلقهم عليه ، وهو قوله تعالى :
« وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ »
فلا تقل بعد هذا إذا حضرت مجلس مذكر داع إلى اللّه فلم تجد أثرا لكلامه فيك أن هذا من عدم صدق المذكر ، لا بل هو العيب منك من ذاتك ، حيث ما فطرك اللّه في ذلك الوقت على القبول ، فإن المنصف ينظر فيما جاء به هذا الداعي المذكر ، فإن كان حقا ولم يقبله فيعلم على القطع أن العيب من السامع لا من المذكر ، فإذا حضر في مجلس مذكر آخر وجاء بذلك الذكر عينه وأثر فيه ، فيقول السامع بجهله : صدق هذا المذكر ، فإن كلامه أثر في قلبي ، والعيب منك وأنت لا تدري ، فلتعلم أن ذلك التأثير لم يكن لقبولك الحق ، فإنه حق في المذكرين في نفس الأمر ، وإنما وقع التأثير فيك في هذا المجلس دون ذلك لنسبة بينك وبين هذا المذكر ، أو بينك وبين الزمان ، فأثر فيك هذا الذكر ، والأثر لم يكن للمذكر إذ قد كان الذكر ولا أثر له فيك ، وإنما أثرت المناسبة التي بيّنتها لك ، الزمانية أو النسبة التي بينك وبين المذكر ، وربما أثر لاعتقادك فيه ولم يكن لك اعتقاد في ذلك الآخر ، فما أثر فيك سواك أو ما أشبه ذلك ، وأقل فائدة في هذه المسألة سلامة المذكر من تهمتك إياه بعدم الصدق في تذكيره ورده وردك الحق ، فإن السليم العقل يؤثر فيه الحق جاء على يد من جاء ، ولو جاء على لسان مشرك باللّه ، عدو للّه كاذب على اللّه ممقوت عند اللّه ، لكن الذي جاء هو به حق ، فيقبله العاقل من حيث ما هو حق لا من حيث المحل الذي ظهر به ، وبهذا يتميز طالب الحق من غيره .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 126 إلى 127 ]

وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 )
« وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ »
أي اعلم أن صبرك ما كان إلا باللّه ، ما كان من ذاتك ولا من حولك وقوتك .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 128 ]

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 )