تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
البقاء والوجود ، وهو معنى قوله تعالى :
« ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
فوصف بالنفاد ما نسبه إلينا ، وما لفظة تدل على كل شيء ، كذا قاله سيبويه ، فكل ما نسب إلى المخلوق فإنه ينفد بالموت أو الشهادة ، وكل ما ينفد فقد فارق من كان عنده ، وهذا لا يوجد في الحق ، فإنه لا يفارقه شيء ، لأنه معنا وإليه تصير الأمور
« ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ »
فلا تعتمد عليه
« وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
فتعتمد على اللّه في بقائه ، والخطاب هنا لعين الجوهر ، والذي عند الجوهر من كل موجود إنما هو ما يوجده اللّه في محله من الصفات والأعراض والأكوان ، وهي في الزمان الثاني أو في الحال الثاني - كيف شئت قل - من زمان وجودها أو حال وجودها ، تنعدم من عندنا ، واللّه يجدد للجوهر الأمثال أو الأضداد دائما من خزائنه ، وهذا معنى قول المتكلمين إن العرض لا يبقى زمانين ، وهو قول صحيح ، خبر لا شهبة فيه ، لأنه الأمر المحقق الذي عليه نعت الممكنات ، ويتجدد ذلك على الجوهر ويبقى عينه دائما ما شاء اللّه ، وقد شاء أنه لا يفنى فلا بد من بقائه
« وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
فعند اللّه التوجه وهو قوله تعالى :
( إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )
فلا يكون عنه إلا الوجود وما يكون عنه عدم ، واعلم أن تحقيق عندية كل شيء راجعة إلى نفسه ، ولهذا قال تعالى :
« ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ »
فإن حكمكم النفاد
« وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
فإن له البقاء ، فلو كانت عندية الشيء غير نفس الشيء ما نفد ما عندنا ، لأنا وما عندنا عند اللّه ، وما عند اللّه باق ، فنحن وما عندنا باق ، فتبين لك أن عندية كل شيء نفسه - الوجه الثاني - الكل عند اللّه فله البقاء في العدم كان أو الوجود ، وما نفد ما عندك إلا بأخذه منك ، وأنت عنده فما عندك عنده ، وما خرج شيء من عنده ، فالكل عنده - الوجه الثالث - « ما عندك ينفد » من العلم باللّه ، فما عندنا منه في موطن ينفد في موطن آخر ، فإن الحكم للمواطن ، فإنها تحكم بنفسها في كل من ظهر فيها
« وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ »
من علمه بنفسه لا يتغير ولا يتبدل ولا يتنوع في نفسه بتنوع المواطن .
فنحن وما عندنا عنده * وليس الذي عنده عندنا

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 97 ]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 )