تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
« وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ »
أي ممن يدب عليها ، يقول يمشي
« وَهُمْ »
يعني أهل السماوات ، فكل ما في السماوات والأرض موصوف بالسجود دائما لافتقاره ، ومن افتقر فقد كسر فقار ظهره ، فلا يتمكن له أن يرفع رأسه أبدا ، فالعالم الذي هو ما عدا الثقلين ساجد للّه ، فهو مطيع قائم بما تعين عليه من عبادة خالقه ومنشيه
« وَالْمَلائِكَةُ »
يعني التي ليست في سماء ولا أرض
« وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ »
يعني عن عبادة ربهم .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 50 ]

يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) ثم وصفهم بالخوف ليعلمنا أنهم عالمون بمن سجدوا له ، فأفعالهم أفعال الخائفين ، وخوفهم خوف نزول عن مرتبة إلى مرتبة أدنى ، ولا سيما وقد روي أن إبليس كان من أعبد الخلق للّه تعالى ، وحصل له الطرد والبعد من السعادة التي كان يرجوها في عبادته للّه تعالى لما حقّت عليه كلمة العذاب ، وقوله تعالى
« مِنْ فَوْقِهِمْ »
فوصف نفسه تعالى بالفوقية لشرفها ، فهي فوقية مرتبة ، ثم وصف المأمورين منهم أنهم
« يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
وهم الذين قال فيهم
( لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ )
وتتضمن هذه السجدة سجود العالم الأعلى والأدنى في مقام الذلة والخوف ، والسجود عند قوله تعالى :
« وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
ولما كان الحق قد ذكر الملائكة وسجودها في سورة الأعراف ، والظلال وسجودها في سورة الرعد ، وسجدت الملائكة في سورة الأعراف سجود اختيار لما يقتضيه جلال اللّه ، أثنى اللّه عزّ وجل عليهم هنا بأنهم
« يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
فسجدوا شكرا للّه لما أثنى اللّه عزّ وجل عليهم بما وفقهم إليه من امتثال أوامره ، وشرع للعبد هنا أن يسجدها رغبة في أن يكون ممن أثنى اللّه عليه بما أثنى على ملائكته ، فهي للعبد سجود ذلة وخضوع ، فإنه قد ذكر قبل هذه السجدة
( أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ )
والضمير في ظلاله يعود على الشيء المخلوق ثم قال
( عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ )
أي أذلاء فهو سجود ذلة وخضوع .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 51 إلى 53 ]

وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 ) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 ) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ( 53 )