ذوق ، وما رأوا أنهم نزل عليهم ملك ، فاعتقدوا أن ذلك مما يختص به النبي ، فذوقهم صحيح وحكمهم باطل ، فمن هناك وقع الغلط ، ولو وصل إليهم ممن تقدمهم أو كان معهم في زمانهم من أهل اللّه القول بنزول الملك على الولي قبلوه وما ردوه .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 3 ]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 3 )
[ « خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ »
]
« خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ »
الحق هنا ليس عينا موجودة ، بل الباء هنا بمعنى اللام ، ولهذا قال تعالى في تمام الآية
« تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
من أجل الباء ، والأمر في نفسه في حق السماء والأرض ، وما أنزل
( ما بَيْنَهُما )
حتى يعم الوجود كله ، مثل قوله
( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )
كذلك ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق ، أي للحق ، فاللام التي نابت الباء هنا منابها عين اللام في قوله
« لِيَعْبُدُونِ »
فخلق السماوات والأرض للحق ، والحق أن يعبدوه ، ولهذا قال :
« تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
فالحق تعالى لا يخلق شيئا بشيء ، لكن يخلق شيئا عند شيء ، فكل ما يقتضي الاستعانة والسببية فهي لام الحكمة ، فما خلق اللّه شيئا إلا للحق ، والحق أن يعبدوه ، فعلى الحقيقة إن اللّه لا يخلق شيئا بشيء ، وإن خلقه لشيء فتلك لام الحكمة ، وعين خلقه عين الحكمة ، إذ خلقه تعالى لا يعلل ، فالخلق عبد بالذات أثرت فيه العوارض ، ولا سيما الشخص الإنساني ، بل ما أثرت العوارض إلا في الشخص الإنساني وحده دون سائر الخلق ، وما سواه فعلى أصله من التنزيه ، تنزيه خالقه عن الشريك ، من هذا يتضح خطأ من جعل هذا الحق المخلوق به عين علة الخلق ، والحق تعالى لا يعلل خلقه ، هذا هو الصحيح في نفسه ، حتى لا يعقل فيه أمر يوجب عليه ما ظهر من خلقه ، بل خلقه الخلق منة منه على الخلق ابتداء فضل وهو الغني عن العالمين ، وكذلك خطأ من جعل هذا الحق المخلوق به عينا موجودة بها خلق اللّه ما سواها ، وهو صدور معلول عن علة أوجبت العلة صدوره ، وهذا فيه ما فيه
« تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
اعلم أن اللّه هو اللطيف الخبير العلي القدير الحكيم العليم ، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، لما خلق الأشياء وذكر أن له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين ، وضع الأسباب وجعلها له كالحجاب فهي توصل إليه تعالى كل من علمها حجابا ، وهي تصد عنه كل من اتخذها أربابا ، فذكرت الأسباب في أنبائها أن اللّه من ورائها ، وأنها غير متصلة بخالقها - فإن الصنعة