الأيام مناب النعم لأنها الآتية بأنواع الكرم ، أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام : يا بن عمران حببني إلى عبادي ، قال : يا رب كيف أصل إلى ذلك ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه :
يا بن عمران ذكرهم إحساني إليهم ، وعظيم تفضلي عليهم ، فإنهم لا يعرفون مني إلا الحسن الجميل . وأيام اللّه هي أيام الأنفاس على الحقيقة ، فإنها أقل ما ينطلق عليه اسم يوم ، فهو أن يذكرهم بقوله تعالى :
( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ )
فتلك أيام اللّه وأنت في غفلة عنها ، وهذه الأيام التي ينبغي أن يذكر العبد بها ، مثل أيام النعم وأيام الانتقام التي أخذ اللّه فيها القرون الماضية . واعلم أن البلايا أكثر من النعم في الدنيا ، فإنه ما من نعمة ينعمها اللّه على عباده تكون خالصة من البلاء ، فإن اللّه يطالبه بحقها من الشكر عليها ، وإضافتها إلى من يستحقها بالإيجاد ، وأن يصرفها في الموطن الذي أمره الحق أن يصرفها فيه ، فمن كان شهوده في النعم هذا الشهود متى يتفرغ للالتذاذ بها ؟ وكذلك الرزايا هي في نفسها مصائب وبلايا ، ويتضمنها من التكليف ما يتضمنه من النعم من طلب الصبر عليها ، ورجوعه إلى الحق في رفعها عنه ، وتلقيها بالرضى أو الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى باللّه إلى غير اللّه ، فقد علمت من أيام اللّه أن الدار دار بلاء ، لا يخلص فيها النعيم من البلاء وقتا واحدا ، وأقله طلب الشكر من المنعم بها عليه ، وأي تكليف أشق منه على النفس ، ولذلك تمم تعالى بقوله :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »
واعلم أن اللّه إذا مدح الصابرين فهم الذين حبسوا نفوسهم عن الشكوى لغير اللّه ولا يحبسونها عن الشكوى إلى اللّه - الوجه الثاني -
« وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ »
اعلم أن اللّه لما أعلمنا أنه هو الدهر ، ذكر لنا سبحانه أن له أياما من كونه دهرا ، وهي أيام اللّه ، فعيّن هذه الأيام أحكام أسمائه تعالى في العالم ، فلكل اسم أيام ، وهي زمان حكم ذلك الاسم ، والكل أيام اللّه ، وتفاصيل الدهر بالحكم في العالم ، وهذه الأيام تتوالج ويدخل بعضها في بعض ، ويغشي بعضها بعضا ، وهو ما نراه من اختلاف الأحكام في الزمان الواحد ، فذلك لتوالجها وغشيانها وتقليبها وتكرارها ، ولهذه الأيام الإلهية ليل ونهار ، فليلها غيب ، وهو ما غاب عنّا منها ، وهو عين حكمها في الأرواح العلوية الكائنة فوق الطبيعة والأرواح المهيّمة ، ونهارها شهادة ، وهو عين حكمها في الأجسام الطبيعية إلى آخر جسم عنصري ، وهي ما تحت الطبيعة ، والاسم الإلهي النور هو الذي أظهر الليل والنهار في أيام اللّه ، والدهر من حيث عينه يوم واحد لا يتعدد ، ولا ليل له ولا نهار ، فإذا أخذته