تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
والصفح ، ومدح نفسه بإنجاز ما وعد به من الخير ، يقال في اللسان : وعدته في الخير والشر ، ولا يقال أوعدته بالهمز إلا في الشر خاصة ، والتجاوز والعفو عند العرب مما تواطئوا على الثناء به على من ظهر منه ، فاللّه أولى بهذه الصفة ، وقد عرفنا أن وعيده ينفذ فيمن شاء ويغفر لمن شاء ، ولا ينبغي أن يقال مخلف ، بل ينبغي أن يقال إنه عفو متجاوز عن عبده ، ومع هذه الوجوه فلا يتمكن زوال الرهبة من قلب العبد من نفوذ الوعيد ، لأنه لا يدري هل هو ممن يؤاخذ أو ممن يعفى عنه ؟
« لِيُبَيِّنَ لَهُمْ »
لتقوم عليهم الحجة إذا خالفوا ، أو يعملوا بما فهموا فيسعدوا ، فوقع البيان ، فما رمز نبي شيئا قط ، لأنه بعث للبيان
« فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ »
مطلق الضلالة الحيرة والجهل بالأمر وبطريق الحق المستقيم ، فقوله تعالى :
« فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ »
أي من عرّفه بطريق الضلالة فإنه يضل فيها
« وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
ومن عرّفه بطريق الهداية فإنه يهتدي فيها ، ولما كان العقل السليم يحار في الأخبار الموهمة للتشبيه ويتيه ، فهذا معنى يضل ، أي يحير العقول بمثل هذه الخطابات - الصادرة من اللّه على ألسنة الرسل الصادقة - المجهولة الكيفية ، ولا يتمكن للعقل أن يهتدي إلى ما قصده الحق بذلك مما لا يليق بالمفهوم ، ثم يرى العقل أنه سبحانه ما خاطبنا إلا لنفهم عنه ، والمفهوم من هذه الأمور يستحيل عليه سبحانه من كل وجه يفهمه العبد بضرب من التشبيه المحدث ، إما من طريق المعنى أو طريق الحس ، ولا يتمكن للعقل أن لا يقبل هذا الخطاب فيحار ، فثمّ حيرة يخرج عنها العبد ويتمكن له الخروج منها بالعناية الإلهية ، وثمّ حيرة لا يتمكن له الخروج عنها بمجرد ما أعطى اللّه العقل من أقسام القوة التي أيده اللّه بها ، فيحار الدال في المدلول لعزة الدليل ، لذلك قال تعالى :
« وَهُوَ الْعَزِيزُ »
ثم يجيء الشرع بعد هذا في أمور حكم العقل بدليله على إحالتها ، فيثبت الشرع ألفاظا تدل على وجوب ما أحاله ، فيقبل ذلك إيمانا ولا يدري ما هو ، فإنه
« الْحَكِيمُ »
.

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 5 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 5 )

[ « وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ »

] - الوجه الأول -
« وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ »
أي ذكرهم بنعم اللّه وآلائه ، فإنما نابت