تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
فلا ينفع الاحتجاج بما سبق وإن كان حقا ، فهي حجة لا تنفع قائلها ولا تعصم حاملها لما يؤدي إليه من درس الطريق الأمم ، الذي أجمع على صحته الأمم
« ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها »
دخل في حكم هذه الآية جميع ما دبّ علوا وسفلا دخول ذلة وعبودية ، لأنها أعطته بحقيقتها وقبولها التمكن من الأخذ بناصيتها إذلالا ، لأنها عبد ، وكل من أخذ بناصيته فإنه ذليل ، والكل عبيد اللّه تعالى ، فالكل أذلاء بالذات ، وهو العزيز الحكيم ، وإنما جعل يده بناصيتك ابتغاء عافيتك ، فأثبت أمرا هو عليه ، وما سواه ، فانظر من يصل إليه ، وهذا من كرمه وسابقة قدمه ، فما ثمّ إلا مستقيم وعلى منهج قويم ، لأنه بيد الكريم ، وتدل هذه الآية على أنه ما ثمّ إلا من الحق آخذ بناصيته ، ولا يمكن إزالة ناصيته من يد سيده ، ونكّر لفظ دابة فعمّ ، فهو مسلوك به ، سالك بحكم الجبر ، هكذا قال هود عليه السلام ، فلهذا كان المآل إلى الرحمة وإذا أدركه في الطريق النصب ، فتلك أعراض عرضت له ، فإنه أخبر بأنه تعالى على صراط مستقيم ، فما ثمّ إلا من هو مستقيم على صراط الرب ، فهذه الآية دليل لمن قال بالجبر ، ويحتمل أن يكون قوله عليه السلام
« إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
فيما شرع ، مع كونه تعالى آخذ بنواصي عباده إلى ما أراد وقوعه منهم وعقوبته إياهم مع هذا الجبر ، فاجعل بالك ، وتأدب واسلك سواء السبيل ، فهذه آية بشرى لنا ، فما في العالم إلا مستقيم لأن الآخذ بناصيته هو الماشي به ، وهو على صراط مستقيم ، فكل حركة وسكون في الوجود فهي إلهية ، لأنها بيد حق ، وصادرة عن حق موصوف بأنه على صراط مستقيم بإخبار الصادق ، فإن الرسل لا تقول على اللّه إلا ما تعلمه منه ، فهم أعلم الخلق باللّه ، وليس للكون معذرة أقوى من هذه ، فمن رحمة الرسل بالخلق تنبيه الخلق على مثل هذا ، فإن اللّه أخبر عن نبيه ورسوله هود عليه السلام قوله هذا ، وما خطّأ هذا الرسول في هذا القول ، ومعلوم أن تصرف كل دابة قد يتعلق به لسان حمد أو ذم لأمور عرضية في الطريق ، عينتها الأحوال وأحكام الأسماء ، والأصل محفوظ في نفس الأمر ، تشهده الرسل عليهم السلام والخاصة من عباد اللّه ، ومع هذا التحقيق فإن قوله
« إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
من حيث ما يقود الماشي عليه إلى سعادته ، وعلى هذا الصراط كل دابة عموما ما عدا الإنس والجن ، فإنه ما دخل من الثقلين إلا الصالحون منهم خاصة ، ولو دخل جميع الثقلين لكان جميعهم على طريق مستقيم - نصيحة - لا تجعل زمامك إلا بيد ربك ، فإن له كما قال يدين كما