تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
اعلم أن الشرط المصحح لقبول جميع الفرائض فرض الإيمان ، فما من مؤمن يرتكب معصية ظاهرة أو باطنة إلا وله فيها قربة إلى اللّه ، من حيث إيمانه بها بأنها معصية ، فلا يخلص لمؤمن عمل سيئ دون أن يخالطه عمل صالح ، ولا تخلص له معصية غير مشوبة بطاعة أصلا ، وهي طاعة الإيمان بكونها معصية ، فيؤجر على الإيمان بها أنها معصية ، فهو في مخالفته طائع عاص ،

[ « وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً »

] قال تعالى :
« وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً »
فهذا معنى المخالطة فالعمل الصالح هنا الإيمان بالعمل الآخر السيّئ أنه سيّئ . واعلم أنه من المحال أن يأتي مؤمن بمعصية توعد اللّه عليها فيفزع منها ، إلا ويجد في نفسه الندم على ما وقع منه ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم ، الندم توبة ، وقد قام به الندم فهو تائب فسقط حكم الوعيد ، على عكس قول المعتزلي القائل بإنفاذ الوعيد فيمن مات عن غير توبة ، لحصول الندم فإنه لا بد للمؤمن أن يكره المخالفة ولا يرضى بها ، وهو في حال عمله إياها ، فهو من كونه كارها لها مؤمن بأنها معصية ذو عمل صالح ، وهو من كونه فاعلا لها ذو عمل سيّئ ، فغايته أن يكون من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فقال تعالى عقيب هذا القول :
« عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ »
وهو سبحانه يعلم ما يجريه في عباده ومع هذا جاء بلفظ الترجي ، وقال العلماء : إن عسى من اللّه واجبة فإنه لا مانع له والتوبة الرجوع فمعناه أن يرجع عليهم بالرحمة وبالمغفرة ، وتبديل السيئات والقبول ، فيغفر لهم تلك المعصية بالإيمان الذي خلطها به ، فإنه وقع الترجي للعبد من اللّه في القبول ، ويرزقهم الندم عليها ، والندم توبة ، فإذا ندموا حصلت توبة اللّه عليهم ، فالمؤمن هنا ذو عمل صالح من ثلاثة أوجه ، الإيمان بكونها معصية ، وكراهته لوقوعها منه ، والندم عليها ، وهو ذو عمل سيّئ من وجه واحد ، وهو ارتكابه إياها ، ومع هذا الندم فإن الرهبة تحكم عليه ، سواء كان عالما بما قلناه أو غير عالم ، فإنه يخاف وقوع مكروه آخر منه ، ولو مات على تلك الرهبة فإن الرهبة لا تفارقه ، وينتقل تعلقها من نفوذ الوعيد إلى العتاب الإلهي والتقرير عند السؤال على ما وقع منه . واعلم أن متعلق عسى هنا رجوعه عليهم بالرحمة ، لا رجوعهم إليه ، فإنه ما ذكر لهم توبة ، وما ذكر لهم قربة ، فما تاب هنا في هذه الآية عليهم ليتوبوا كما قال في موضع آخر :
« ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ