تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
إلا في الصلاة بعد الجلسة الوسطى فإنه يقرؤها ابتداء ، وقد وعد اللّه من استمع القرآن وأنصت بالرحمة ، فإن أفعال الترجي من اللّه حكمها حكم الواجب ، ومع هذا فإن اللّه أوقع الترجي مع صفة الاستماع والإنصات ، وما قطع بالرحمة ، فكيف حال من خاصم ورفع صوته وداخل التالي ؟ وأرجو أن يكون الترجي الإلهي واجبا كما يراه العلماء ، فالأجر العظيم بالإصغاء إلى القارئ إذا قرأ القرآن ، أو بإصغاء الإنسان إلى نفسه إذا تلاه ، فإذا قرئ القرآن المبين فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ، فإنه ما جاء بالكلام إلا للإفهام ، فإذا خالج السامع القارئ في قراءته ، فقد شهد من الفهم ببراءته ، وأساء الأدب ، فأسخط اللّه فغضب ، يقول صلّى اللّه عليه وسلم : [ أيكم خالجنيها وما لي أنازع القرآن ] وأي برهان أعظم من هذا البرهان ، الرسول حاز الآداب ، وجاء بالكتاب وخاطب أولي الألباب ، وما خص أعداء من أحباب ، بل عم الخطاب ، فمنا من أصاب ، ومنا المصاب ،
« لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ »
بالفهم ، فإنك إن خالجته فيها ، حرمت معانيها ، وإذا كنا نهينا وتحبط أعمالنا برفع أصواتنا على صوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا تكلم ، وهو المبلغ عن اللّه ، فغضّ أصواتنا عندما نسمع تلاوة القرآن آكد .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 205 إلى 206 ]

وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 )
« إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ »
وهم الملائكة المقربون
« لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ »
يقول : يذلون ويخضعون له
« وَيُسَبِّحُونَهُ »
أي ينزهونه عن الصفات التي لا تليق به وهي التي تقربوا بها إليه من الذل والخضوع وصدقهم اللّه في هذه الآية في قولهم :
( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ )
فأخبر اللّه عنهم بما أخبروه عن نفوسهم
« وَلَهُ يَسْجُدُونَ »
وصفهم بالسجود له عزّ وجل مع هذه الأحوال المذكورة ، وهنا يسجد التالي للقرآن في هذه السجدة اقتداء بسجود الملأ الأعلى وبهديهم ، قال اللّه تعالى لما ذكر النبيين عليهم السلام لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وذكر أنه تعالى آتاهم الكتاب والحكمة والنبوة قال له :
( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ )
وهم بشر مثله ، فما ظنك بالملائكة الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وأي هدي