أريد أنه مطبوع عليها ومعرض لاستعماله إياها ، وتارة تنفى عنه ، بمعنى أنه لم يستعملها ، ولم يحصل قبوله على ما يحب ، فكأنه في حكم ما لم يعط . وقوله :
لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *
فهو على لفظ الاستقبال ، ومعناه لا يفعل به ذلك ثانيا ، إذ قد أتاه ما فيه الكفاية « 1 » ، ولفظ كيف وإن كان استفهاما ، فالقصد به
هامش
-كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ[ التوبة : 115 ] فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا ، فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه ، فأعماهم عنه بعد أن أراهموه ، وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها ، فإنه يسلبه إياها بعد أن كانت نصيبه وحظه » ثم قال رحمه اللّه :
« وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال :وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[ الشورى : 52 ] ، ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله :إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ . . . »« شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل » ص ( 79 ، 80 ) .
وكلام ابن القيم هنا تلخيص لكلام الراغب عن الهداية في المفردات ص 835 .
( 1 ) أورد القرطبي على ذلك تساؤلا فقال : يقال : ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه اللّه ، ومن كان ظالما لا يهديه اللّه ، وقد رأينا كثيرا من المرتدين قد أسلموا وهداهم اللّه ، وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم . قيل له : معناه : لا يهديهم اللّه ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ، ولا يقبلون على الإسلام ، فأما إذا أسلموا وتابوا ، فقد وفقهم اللّه لذلك . الجامع لأحكام القرآن ( 4 / 129 ، 130 ) .