تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
وإذا سرق فقطعت يده ، ثم عاد وسرق ذلك الشيء نفسه قطعت رجله عندنا ، خلافا لأبي حنيفة ، ولا يتعلق به من جهة العموم ، فإن الذي دل عليه العموم قطع اليد ، والواجب في الكرة الثانية قطع الرجل ، لم يتعلق به من حيث التعليل ، وأن الثاني إذا كان مثل الأول ، وتعلق به ما تعلق بالأول ، أو مثل ما تعلق بالأول ، فيكون الاحتجاج بالعلة ، لا بالاسم ، فليعرف العارف هذه المراتب ما يصح الاحتجاج منه بالعموم ، وما يحتج فيه بالمفهوم من الاسم . واعلم أن الذي يجب على السارق من القطع ، يجب جزاء على الفعل أو زجرا ، فالشرع اعتنى ببيانه وإيضاح حكمه ، ولم يتعرض للضمان الذي لا يرجع إلى الفعل ، ولا يتعلق به ، وإنما هو بدل عن المحل ، كما أوجب على الزاني الجلد ، ولم يتعرض للمهر ، وأوجب على قاطع الطريق القتل ، ولم يتعرض للدية من بعد التوبة في قوله :
( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ )
، لأن ذلك حوالة على بيان آخر « 1 » . قوله تعالى :
( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ )
الآية ( 42 ) . أصل السحت الاستئصال ، يقال أسحته إسحاتا إذا استأصله وأذهبه . قال اللّه تعالى :
( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ )
« 2 » : أي يستأصلكم ، ويقال أسحت ماله إذا أفسده ، فسمى الحرام سحتا لأنه لا بركه لأهله فيه ، ويهلك به صاحبه هلاك الاستئصال ، فأخذ الرشوة على الحكم غاية المحظور من الرشوة ، فإنه يجب عليه إظهار الحق فيأخذ الرشوة ، ومن أجله منع الشافعي الصلح على الإنكار ، لأن الذي ينكر إذا جعل القول قوله ، فكأنه بما يبذله من المال ينبغي رفع الظلم عن نفسه ، فكان كالرشوة على فعل واجب أو رفع ظلمه .
هامش
( 1 ) انظر بحث آية السرقة في روائع البيان . ( 2 ) سورة طه آية 61 .