تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
ولا يقول ابن عباس إنه نسخ ذلك من طريق الرأي ، فإن مدركه التوقيف والعلم بالتواريخ ، إلا أنه يقال : يجوز أن يكون قد أخطأ وغلط في الذي ادّعاه من التوقيف ، ولم يكن طريقه النسخ ، وإذ قال الصحابي أو التابعي كذا منسوخ بكذا ، فلا يقبل ذلك دون أن ينظر فيه . ويجوز أن يكون معنى قوله :
( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ )
: المنع من اتباع آرائهم فيما قد نسخ ، ولا يمنع ذلك من جواز الإعراض عنهم ، مثل منوب الجزية عليهم ، فإنهم ما كانوا إذ ذاك داخلين في أحكام الإسلام ، وإنما كان بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هدنة ، أن لا يتعرض لهم ولا يؤاخذون بشيء من أحكام الإسلام ، فتكون « 1 » منهم ولهم ، فلما أمر اللّه تعالى بأخذ الجزية منهم وإجراء أحكام المسلمين عليهم ، أمر بالحكم بينهم بما أنزل اللّه تعالى ، فسيكون حكما للآيتين جميعا تاما . فإذا احتمل الأمرين ، فليس قوله : أو أعرض عنهم ، نصا حتى يحتاج إلى طلب نسخه ، فعلى هذا ينبغي أن يقال : يجب على الإمام أن يحكم بينهم . ويحتمل أن يقال : من حيث إنهم لا يؤاخذون بأحكام الإسلام وتفاصيل الحلال والحرام ، يجوز للإمام أن لا يحكم بينهم أصلا . وروي عن ابن عباس أن الآية التي في المائدة قوله :
( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ )
، إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبني النضير ، وذلك أن بني النضير كان لهم شرف يدون دية كاملة ، وأن بني قريظة يدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه ، فأنزل اللّه تعالى الآية
هامش
( 1 ) أي فتكون أحكامهم .
أحكام القرآن — صفحة 76 | عماد الدين بن محمد الطبري ( الكيا الهراسي )