فدل ذلك على أن الابتلاء قبل البلوغ لا بدفع المال اليه ، ولا بأن يبقى بعقله ورأيه ، حتى يزعم بكونه رشيدا ، فإنه لو كان كذلك ما توقف وجوب دفع المال على بلوغ النكاح ، بل دل على أن الابتلاء قبل البلوغ في أمر الدين والدنيا ، بأن يربيه على الخيرات والطاعات ، ويندبه إلى المراشد وتأمل التصرفات والتجارات ، حتى يكون نشوّه على الخيرات ، فإذا بلغ النكاح نفعه ما تقدم من التدريب ، ويحصل به إيناس الرشد ، وهو إحساس الرشد ، مثل قوله تعالى :
( إِنِّي آنَسْتُ ناراً ) *
« 1 » .
يعني أحسستها وأبصرتها ، وذلك يدل على أن الذي يجري في الصبي غير موثوق به شرعا ، إنما هو توطئة وتمهيد لزمان البلوغ الذي يوثق فيه بإيناس الرشد ، فهذا تحقيق لمذهب الشافعي رضي اللّه عنه ، ويرد على من خالفه ، ثم قال الشافعي :
ولما قال تعالى :
( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً )
، وهو يقتضي صلاح الدين والدنيا ، والفاسق غير رشيد ولا مأمون ، وهذا لأن التبذير يتولد من غلبة الهوى ، والهوى منشأ الفسق ، ولا يؤمن من الفاسق صرف المال إلى المحصور المنكور ، وذلك تبذير وإن قل ، فإنه لا يكتسب به محمدة في الدنيا والآخرة ، والكثير في الطاعات ليس بتبذير ، على ما عرف من أقوال السلف رضوان اللّه عليهم أجمعين ، فهذا معنى الآية .
قوله تعالى :
( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ
« 2 »
وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ )
الآية ( 6 ) :
هامش
( 1 ) سورة طه الآية 10 .
سورة النمل الآية 7 .
سورة القصص الآية 29 .
( 2 ) يقال : عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك ، والاستعفاف عن الشيء تركه ، والعفة : الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله .