ذلك حتى نزل قوله تعالى :
( مِنَ الْفَجْرِ )
، فعلموا أنه إنما عنى بذلك الليل والنهار ، ولا يجوز أن لا يكون في قوله
( الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ )
بيان للحكم مع الحاجة ، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز أصلا . .
ويجوز أن يكون التجوز بالخيط الأبيض عن الفجر سائغا في لغة قريش دون غيرها من اللغات ، فأشكل على قوم آخرين ، حتى تبين لهم بقوله من الفجر ، ولا يجب أن يكون البيان بلغة يشترك في معرفتها جميع الناس قبل أن يتبين لهم بلغة من كان بيانا في لغتهم . .
ويجوز أن يكون قد قال :
( مِنَ الْفَجْرِ )
أولا ، لكن قوله
( مِنَ الْفَجْرِ )
يحتمل أن يكون تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، على معنى أنه يتبين الخيطان من أجل الفجر ، ويحتمل أن يكون المستبان في نفسه هو الفجر . .
فإن قيل : كيف يشبه الليل بالخيط الأسود وهو يشتمل على جميع العالم ، وقد علمنا أن الصبح إنما شبه بخيط مستطيل أو معترض في الأفق ، أما الليل فليس بينه وبين الخيط مشاكلة ؟ . .
الجواب : أن الخيط الأسود هو السواد الذي في المواضع « 1 » قبل ظهور الخيط الأبيض فيه ، وهو في ذلك الموضع مساو للخيط الأبيض الذي يظهر بعده ، فلأجل ذلك سمي الخيط الأسود ، وإذا أباح اللّه الأكل والشرب إلى أن يتبين ، فيدل ذلك على جواز الأكل قبل التبين حالة الشك .
هامش
( 1 ) لعلها الموضع .