قد مضى الكلام في معنى أول الآية وقيل في تكراره وجوه : منها أن المعنى مختلف وإن اتفق اللفظ ، لأن المراد بالأول
« مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ »
منصرفا عن التوجه إلى بيت المقدس فولّ وجهك شطر المسجد الحرام . . والمراد بالثاني : أين ما كنت من البلاد فتوجه نحوه من كل جهات الكعبة وسائر الأقطار . . ومن وجوه التكرار : انه يفيد التأكيد ليثبت قلوب المؤمنين بعد النسخ ، ولئلّا يكون للناس عليكم حجة ، ولأن أهل الكتاب يقولون ليس هذا هو النبي المبشّر به ، إذ أن من صفاته أن يصلّي إلى قبلتين ، لذلك أكّد تعالى صلاة رسوله والمسلمين إلى قبلتين ، ولئلّا يعدل المسلمون عن قبلتهم التي أمرهم بالتحوّل إليها لما يلاقونه من حجة أهل الكتاب وغيرهم من المعاندين . وإن هذا التكرار فيه حجة وبرهان ، ينتفع بها كل من عرفها
« إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ »
فإنهم يكتمون ما عرفوا
« فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي »
ولا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى ما يكون منهم ، فإن عاقبة السوء عليهم
« وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ »
بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام
« وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ »
إلى ثوابها أو إلى التمسك بها .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 151 ]
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 )
قوله تعالى :
التزكية : هي الطهارة والنماء والقدس ، والحكمة العلم الذي يتوصل به إلى الأفعال المستقيمة .