الأسرار
قال الذين نالوا تمام النعمة بالهداية : إنّ التكريرات في القرآن تشتمل على فوائد سوى التأكيد . فمن فوائدها ما ذكره المفسّرون .
ومنها أنّ التكريرات في التكاليف قولا وفعلا تطهيرات للنفوس عن عادات مرنوا عليها أو أخلاق تخلّقوا بها أو عقائد سكنوا إليها على مثال تطهيرات الأجسام بالماء عن حدث أو خبث ؛ فيستعمل التكرار فيها ثلاثا أو سبعا أو أكثر من ذلك لإزالة العين والأثر ، ولمّا كان استقبال القبلة إلى بيت المقدّس ممّا اعتادته نفوس اليهود ومرنوا عليها واستقبلتها الأنصار ثلاث سنين وسكنوا إليها ، حسن تكرار التكليف عليهم غسلا للنفوس بماء التكليف ثلاثا على مثال الطهارة في الحدث .
ومنها أنّ التكريرات في التكاليف تكرير نفوس على النفوس لتتمكّن النفس فيها ؛ فلا تمحوها الأشغال والأفكار التي تخالفها والغفلات التي تسترها ، كالنقّاش يكرّر بالقلم نقشه صبغا على صبغ ، وكالمعلم يكرّر على الصبي تعليمه قراءة على قراءة ، وهذا هو السرّ في تكرير العبادات والقراءات والدعوات .
ومنها أنّ ذكر المعبود في كلّ وقت وزمان واجب ؛ لأنّ الشيطان دأبه إيقاع الغفلة والنسيان في قلب الإنسان ؛ فيستحفظ التذكير بالتكرير كالصيقل يزيل الغبار والصدأة عن وجه المرآة . « تعاهدوا هذه القلوب بذكر اللّه - عزّ وجلّ - ( 271 آ ) فإنّها تصدأ كما يصدأ الحديد . » 16
ومنها فيما نحن فيه في كلّ كرّة زيادة فائدة ؛ ففي الكرّة الأولى قال تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
كالداعي أو كالمنتظر أو كالمعتبر أو كالمتحيّر .
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
تشريفا لك وإنعاما عليك ؛ إذ علّقنا حكمنا على رضاك
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
والخطاب خاصّ ،
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
والخطاب عامّ في كلّ مكان وزمان وأشخاص حيث ما ، و
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
قراءة من كتابهم ووصاية من آبائهم ؛ وفي الكرّة الثانية لمّا ذكر عناد اليهود بعد العلم واليأس عنهم في اتّباع القبلة وإن أتيتهم بكلّ آية ذكر التكليف بالاستقبال ثانيا ، وقرنه بأنّه