تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
وقوله
« إِلهاً »
انتصب « 1 » على الحال ؛ وقيل : هو منصوب على البدل على تقدير نعبد إلها واحدا .

الأسرار

قال العارفون بعمومات القرآن وخصوصاته : إنّ يعقوب - عليه السلام - كان يعرف أنّ أولاده مسلمون ، ( 254 ب ) فكيف امتحنهم وهو يعلم حالهم وجوابهم في قوله :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟
بقولهم :
نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ
كيف صار مرضيّا عنده محكوما به مفروغا عنه ؟ وما السرّ في قولهم
نَعْبُدُ إِلهَكَ
على الخصوص دون قول من قال : إله العالمين ، إله الخلق أجمعين ؟ قالوا : إنّ الحنيفية كما بيّنّا إثبات الكمال في الرجال ، رجال مخصوصين ، وكمال حالهم بتعريف اللّه تعالى بهم ، وإضافته إليهم ، وتجلّيه لهم ؛ فليس مذاق ربّ العالمين على مذاق ربّ موسى وهارون ؛ ولا معنى إله الخلق أجمعين كمعنى إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ؛ فأصل المعرفة باللّه - عزّ وجلّ - تعريف بالموجودات كلّها ؛ وكمال المعرفة به تعالى تعريف بموجود خاصّ هو شخص معيّن ؛ وما لم يقترن هذا الخصوص بذلك العموم لم يحصل كمال المعرفة ، وبالعكس من ذلك إضافة العباد إليه تعالى على العموم لا يتمّ إلّا بإضافة شخص خاصّ إليه بالعبودية :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ،
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
وَعِبادُ الرَّحْمنِ
فالكلّ له عبيد قانتون ،
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ
على الخصوص فيه سرّ مكنون ؛ فعرف يعقوب حال أولادهم - عليهم السلام - عموما ؛ فأراد أن يمتحنهم خصوصا ؛ فعرف وتيقّن أنّهم وصلوا إلى كمال حال الحنيفية ، وهو إثبات الكمال في الرجال ؛ وإنّ التوحيد الخالص إنما يحصل بتعريف الحقّ تعالى بشخص معيّن ، ولذلك قال بعده :
إِلهاً واحِداً
ثمّ قرن الإسلام بالحنيفية فقال :
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .
وسرّ آخر : أنّ كمال المعرفة في تعريفه تعالى برجال مخصوصين كما كان المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - يقول : « والذي نفس محمّد بيده » ، وكما كان عيسى يقول :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ؛
ولولا كمال في رجال وإلّا لما عرف إلهيّته وربوبيّته بهم ؛ ولولا وجود كلّ ما في العالم في
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو .
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 630 | محمد بن عبد الكريم الشهرستاني