كيف هم في اعتقاد ذلك ، ولقد صدق ظنّه فيهم ؛ إذ أخبروه عن سرّ الحنيفية والإسلام دون الصبوة والتهوّد والتنصّر والخروج عن الفطرة . ( 254 آ )
التفسير
قال المفسّرون : نزلت في اليهود حين قالوا للنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : ألست تعلم أنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية التي شرع من بعده ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، والمعنى : أكنتم حضورا حين حضر يعقوب الموت ؟ ف
« أَمْ »
للاستفهام وقيل : معناه بل كنتم .
قال أبو عبيدة :
« أَمْ »
بمعنى هل ، وقيل : في الكلام إضمار كأنّه قيل لليهود : أبلّغكم ما تقولون وتنسبون إلى يعقوب خبرا أم كنتم شهودا حضورا وصيته ؟ وكذلك العرب تفعل في كلّ استفهام ابتدأ به بعد كلام سبقه يستفهم فيه بأم ؛ وقيل : هو استفهام بمعنى التقرير ، كأنّه يذكّرهم ذلك ، وقد بلغهم ذلك من أسلافهم وإن لم يكونوا حضورا .
قال الكلبي : لمّا دخل يعقوب مصر ؛ فرأى أهلها يعبدون الأصنام والنيران جمع أولاده حين حضره الوفاة وخاف عليهم عبادة الأوثان فقال : يا بنيّ
ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟
أي بعد موتي
قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ
إلى قوله
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
أي مخلصون له العبادة والتوحيد فطابت نفسه .
وقال عطاء عن ابن عبّاس : إنّ اللّه تعالى لم يقبض نبيّا إلّا خيّره بين الموت والحياة ؛ فلمّا حضر يعقوب الموت وخيّره قال : أنظرني حتّى أسأل ولدي وأوصيهم ؛ فجمع ولده وهم اثنا عشر رجلا ؛ فقال لهم : قد حضرت وفاتي وأنا أريد أن أسألكم ما تعبدون بعدي ؟
قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ
الآية . فدعا لهم وقبضه اللّه تعالى ؛ وإنّما قال :
ما تَعْبُدُونَ
إشارة إلى تلك الأصنام ؛ فأراد أن يستفهمهم بالحقّ ، وسمع منهم الحقّ
قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ
أي معبودك ومعبود آبائك وخالقك وخالق آبائك إبراهيم وإسماعيل وهو عمّهم ، ويجوز أن يذكر العمّ باسم الأب ، كما قال :
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
والمرفوع مع أبيه خاله باتّفاق المفسّرين ؛ فالخال والعمّ يذكران باسم الأب والأمّ ، إلها واحدا لا شريك له
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
أي مخلصون في التوحيد .