وهو بعد أن يذكر آراء المتكلّمين في علاقة الأمر بالخلق ، يردّ عليها جميعا ، ويرى أنّ الإمام الصادق - عليه السلام - وضّح هذه العلاقة فيقول : « لا ، لا ، بل قل كما قال رجل الكتاب وصنو الكتاب : له الخلق ملكا ، وله الأمر ملكا ، الأرواح ملكه ، والأجساد ملكه ؛ فأحلّ ملكه في ملكه ، وله عليها شروط ولها عنده وعد ؛ فإن وفى بشروطه وفي لهم بوعده . » والشرط هو الالتزام برسالة الأنبياء :
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .
« 1 »
ويرى في تفسيره أنّ الحكمة هي النبوّة ، ومن تصدّى للحكمة برأيه فقد سفه نفسه وسفه عقله . « 2 »
والنتيجة الأكثر تأثيرا لهذه القاعدة على تفسير الشهرستاني هي وحدة السنن الكونية في تاريخ الأديان لما بين طبيعة البشر ( الخلق ) وبين الشريعة ( الأمر ) من ارتباط ؛ وهذا الارتباط يوضحه الشهرستاني في الملل والنحل حين يذكر الشبهات التي اعترضت مسيرة الأنبياء ، ويستدلّ على رأيه بقوله سبحانه :
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
وبالحديث النبويّ : « لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذّة بالقذّة والنعل بالنعل ، حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه . » « 3 »
وفي تفسيره يقرّر أنّه « ما من قصّة في القرآن إلّا ووزانها موجود في هذه الأمّة » ، ويرى مثلا :
أنّ انحراف بني إسرائيل في عبادة العجل ، وإقصاء أولياء اللّه عن حقّهم ظهرت في هذه الأمّة متمثّلة في « أحقاد الجاهلية لبني أميّة اجتمعت وظهرت بقتل أهل بيت المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - الذين هم عيش العلم وموت الجهل . » « 4 »
وأنّ بني إسرائيل رفضوا ما أراده موسى - عليه السلام - من تنصيب مستودع هو نائبه عليهم وبابه إليهم ، وهو ما تكرّر في هذه الأمّة « ولك أن تطبق الحال على الحال ، وتوازن المقال بالمقال في هذه الأمّة ، وذلك علم الرجال . » « 5 »
هامش
( 1 ) . انظر : رسالة الخلق والأمر في ملحق هذا التفسير .
( 2 ) . انظر : الورقة 417 آ .
( 3 ) . الملل والنحل ( بدران ) 1 / 26 - 27 .
( 4 ) . 154 ب ، 155 آ .
( 5 ) . الورقة 162 آ .