أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
« 1 » أي الناقصون أنفسهم حظوظها بكفرهم ؛ فخسروا نعيم الجنّة بأن حرّموها أنفسهم وخسروا حسناتهم ؛ فأحبطها اللّه بكفرهم ؛ والخسران في التجارة هو ذهاب رأس المال أو نقصانه ، ثمّ قيل لكلّ صائر إلى مكروه خاسر لنقصان حظّه من الخير ؛ والقوم نقصوا بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا ؛ فاستحقّوا العقوبة وفاتتهم المثوبة .
قال ابن عبّاس : « 2 » بهذا الدين خسروا أنفسهم وصاروا إلى النار . قال الكلبي : يعني المغبونين في العقوبة ؛ وذلك أنّه ليس مؤمن ولا كافر إلّا وله أهل ومنزل وخدم ونعم في الجنّة ، فإن أطاع اللّه أتى منزله وأهله وخدمه في الجنّة ؛ فذلك قوله :
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ؛
وقال في صفة الكافرين :
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ .
قال مجاهد : فالمؤمن يبني بيتا في الجنّة ويهدم بيته في النار ، والكافر على الضدّ ؛ وقال بعضهم :
الخاسرون الهالكون فما تزيدننى غير تخسير أي الهلاك ؛ وقال : سمّي الكافر خاسرا لأنّ أعماله لا تعود عليه بنفع . قال اللّه تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ .
الأسرار
قال الموفون بعهد اللّه : إنّ اللّه تعالى ذكر الفاسقين ثمّ عرف أحوالهم وحصرها في ثلاث خصال : نقض عهد اللّه من بعد ميثاقه ، وقطع ما أمر اللّه به أن يوصل ، والفساد في الأرض .
فبدأ اسمهم في الدنيا بالفاسقين وختم اسمهم في الآخرة بالخاسرين .
أمّا الخصلة الأولى فنقض عهد اللّه ، وهو كلّ عهد استوثقه اللّه تعالى في كتابه ، وفيه عموم وخصوص .
العهد الأوّل قوله تعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ .
فعهد اللّه هاهنا نفي عبادة الشيطان بالإشراك به ، والنهي عنها ، والتبرؤ منه وإثبات عبادة الرحمن بالتوحيد له والإخلاص في توحيده ، والتبرّي من الإلحاد والشكّ في أمره .
هامش
( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة .
( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .