والرحمة في اللغة راجعة إلى رقّه القلب والشفقة واللين والرفق ؛ وضدّها الفظاظة وغلظة « 1 » القلب ؛ وكمالها من حيث الفعل : العفو والصفح « 2 » والإنعام والإكرام ، تطلق « 3 » على الباري تعالى ، لا بحسب المعنى الأوّل ، بل بحسب المعنى الثاني ؛ وعلى هذا النحو يجري في تأويل ما ورد من الصفات المضافة إلى اللّه - عزّ وجلّ - مثل التحيّة والرضا والسخط والغضب والأسف والفرح والشوق والضحك ، وما أشبه ذلك .
قال ابن المبارك : الرحمن هو الذي إذا سئل أعطى ، وإذا لم يسأل غضب ؛ وأنشد :
( 33 ب )
اللّه يغضب إن تركت سؤاله * وبنيّ آدم حين يسأل يغضب « 4 »
وقد قيل : اسم اللّه يدلّ « 5 » على أنّه تعالى مفزع الخلائق ، يضطرون إليه في قوام وجودهم ؛ واسم الرحمن يدلّ على أنّه تعالى ملجأ الخلائق يضطرون إليه في بقاء وجودهم ؛ واسم الرحيم يدلّ على أنّه تعالى معاذ الخواصّ من عباده ، يعوذون به في الشدائد ويتوكّلون عليه في الأحوال كلّها ، وسيأتي عند ذكر الأسرار نظم الأسامي الثلاثة .
الأسرار في النظم القول في أسرار نظم الكلمات في التسمية
إنّ المفسّرين تكلّموا في معاني الكلمات والأسامي لغة ورواية ، ولم يتكلّموا في أسرارها نظما وترتيبا ؛ ولأيّ معنى خصّت بهذه الأسامي آية « 6 » التسمية دون سائر الأسماء ؛ وما السرّ في تقديم اسم اللّه على اسم الرحمن ، وتقديم اسم الرحمن على اسم الرحيم ، ومن ذا الذي يقدر على الوقوف على هذه الأسرار دون هداية من أهل القرآن الذين هم أهل اللّه وخاصّته - عليهم السلام - أو يجسر على إيرادها في الكتب دون إجازة وإذن منهم ، لكنّي لمّا خصصت بالدعاء المأثور : « اللّهم انفعنا بما علّمتنا وعلّمنا ما تنفعنا به بحقّ المصطفين من عبادك » 376 وجدت من نفسي قوّة الهداية إلى كلام النبوّة وعرفت لسان الرسالة ؛ فاهتديت
هامش
( 1 ) . س : غلظ .
( 2 ) . س : الصفج .
( 3 ) . س : فطلق .
( 4 ) . س : بغضب .
( 5 ) . س : بدل .
( 6 ) . س : باية .