تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
إبراهيم - عليه السلام - :
وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ
« 1 »
وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ .
وقد حكينا عن جماعة من المفسّرين أنّ الرحيم يختصّ بالمؤمنين ؛ وهو قول ( 33 آ ) وكيع بن الجراح ، ومرويّ عن ثعلب وروي عن عكرمة أنّه قال : الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمائة رحمة ؛ وإنّما أخذ هذا من قوله - صلّى اللّه عليه وآله - : « إنّ للّه « 2 » تعالى مائة رحمة ، وإنّه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسّمها بين خلقه ، فيها يتعاطفون ويتراحمون ، وأخّر تسعا وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة . » 374 ومن العلماء من قال : إنّما جمع بين الكلمتين :
« الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
من حيث إنّ الرحمن اسم يشترك فيه ألسنة أهل الكتابين ، وكانوا يقولون رحمانا ؛ وكان مشركو مكّة ينكرون هذا « 3 » الاسم كما أخبر عنهم ، فقال تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ
وقال :
وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ
وكانوا يعرفون الرحيم ؛ فجمع بينهما ؛ وقال قوم : الرحمن عبراني ، ولهذا أنكرته العرب ؛ فجمع بين الاسمين لذلك ؛ وهذا لا يصحّ ؛ فإنّ القرآن إنّما أنزل بلغة العرب ، وليس فيه غير لغتهم ؛ وقد وجد الرحمن في كلام العرب كاللّهفان والغضبان والندمان ؛ وقال الشنفرّى « 4 » :
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها * ألا قطع الرحمن ربّي يمينها 375
وكانت العرب تقول : لا رحمن إلّا رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذّاب . فقال تعالى :
وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ،
ثمّ الرحمة على معنيين : أحدهما إرادة النعمة ؛ والثاني هي النعمة نفسها . فإذا قيل : لم يزل رحيما ورحمانا ، فمعناه مزيد الإنعام ؛ وإذا قيل : رحم اللّه فلانا فمعناه أنعم اللّه عليه ؛ وقد قال اللّه تعالى :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
أي نعمة ربّك ؛ والرحمن هو الذي يتولّى عباده بالكفاية والرزق والحفظ . فبرحمته قوامهم وبها بقاؤهم ؛ والرحيم هو الذي يتولّى عباده المخلصين بالرعاية واللطف والكرامة ؛ فبرحمته قوامهم وبها بقاؤهم ؛ وقد يقال : يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما .
هامش
( 1 ) . س : + تعالى . ( 2 ) . س : اللّه . ( 3 ) . س : لهذا . ( 4 ) . س : سنفراى .