شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
: في تبليغ محمد ، أو في تبليغ جميع الرسل كما سمعتم من الرسول الصّادق . أو الشّهادة هي الحجّة وظهور الدّلالة ، أي : قولكم وإجماعكم حجة .
إِلَّا لِنَعْلَمَ
: ليعلم رسولنا وحزبنا « 1 » كما يقال : بنى الأمير وجبى الوزير ، أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم « 2 » ، كقولك لمن ينكر ذوب الذّهب : فلتنفخ عليه بالنّار لنعلم أيذوب ؟ .
أو المعنى [ ليوجد أي ] « 3 » ليكون الموجود كما نعلم « 4 » ؛ لأن الموجود لا يخالف معلومه ، فتعلق الموجود بمعلومه فوق تعلق المسبّب بالسبب .
وَإِنْ كانَتْ
: أي : القبلة « 5 » ، أو التحويلة « 6 » .
هامش
( 1 ) أورده الطبري في تفسيره : 3 / 158 وقال : « إن اللّه جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها ، وليس قوله :وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، بخبر عن أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده . . . أما معناه عندنا ، فإنه :
وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، فقال جل ثناؤه :إِلَّا لِنَعْلَمَومعناه : ليعلم رسولي وأوليائي ، إذ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأولياؤه من حزبه ، وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس ، وما فعل بهم إليه ، نحو قولهم : فتح عمر بن الخطاب سواد العراق وجبى خراجها ، وإنما فعل ذلك أصحابه ، عن سبب كان منه في ذلك . . . » .
وانظر تفسير الماوردي : 1 / 166 ، والمحرر الوجيز : 2 / 8 ، وتفسير الفخر الرازي : 4 / 114 .
( 2 ) هو قول الفراء في معاني القرآن له : 2 / 360 ، وانظر زاد المسير : 1 / 155 ، وتفسير الفخر الرازي : 4 / 115 .
( 3 ) عن نسخة « ج » .
( 4 ) تفسير الفخر الرازي : 4 / 114 .
( 5 ) أخرج الطبري هذا القول في تفسيره : 3 / 164 عن أبي العالية . وبه قال الزجاج في معاني القرآن : 1 / 220 ، وانظر تفسير الماوردي : 1 / 166 ، وتفسير البغوي : 1 / 123 ، وزاد المسير : 1 / 155 .
( 6 ) أخرجه الطبري في تفسيره : 3 / 164 عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ومجاهد ، وقتادة ، ونقل الماوردي في تفسيره : 1 / 166 هذا القول عنهم ، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير : 1 / 155 وزاد نسبته إلى مقاتل .
قال الطبري - رحمه اللّه - : « قال بعض نحويي البصرة : أنّثت « الكبيرة » لتأنيث القبلة ، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله :وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً.
وقال بعض نحويي الكوفة : بل أنّثت « الكبيرة » لتأنيث التولية والتحويلة .
فتأويل الكلام على ما تأوله قائلوا هذه المقالة : وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها وتوليتناك عنها ، إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليتناكلَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.
وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب ؛ لأن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى ، لا عين القبلة ، ولا الصلاة ، لأن القبلة الأولى والصلاة ، قد كانت وهي غير كبيرة عليهم ، إلا أن يوجّه موجّه تأنيث « الكبيرة » إلى « القبلة » ، ويقول : اجتزئ بذكر « القبلة » من ذكر التولية والتحويلة ، لدلالة الكلام على ذلك ، كما قد وصفنا لك في نظائره . فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما » .