تخطي إلى المحتوى الرئيسي

متشابه القرآن — صفحة 674

مساهمون:

ص٦٧٤
تعالى لما خلق النظر بنفسه ، وعلمنا أن ذلك لا يصح فيه ؛ وجب أن يكون المراد به الثواب ؛ لأن الحكم الذي يقتضيه الاسم إذا لم يصح فيما علق به ، وجب أن يكون المراد غيره ، كقوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
، إلى غير ذلك من وجوه المجاز . والثاني : أنه تعالى وصف الوجوه بأنها ناظرة ، وقد علمنا أن هذه اللفظة تفيد الجملة ؛ لأن الناظر هو الإنسان دون بعضه ، كما أنه العالم والقادر والفاعل ، فإذا صح وكان الإنسان يوصف بأنه ناظر على وجه فيراد به الانتظار ، وقد يراد به تقليب الحدقة طلبا للرؤية ، وقد يراد به التفكر بالقلب طلبا للمعرفة ، فليس في الظاهر - إذن - دلالة على ما قاله القوم ، وهو محتمل له ولغيره . والثالث : أنه تعالى أراد بذكر الوجوه جملة الإنسان ، لا البعض المخصوص ولذلك وصف الوجوه بأنها ناظرة ، وذلك يليق بها دون الأبعاض ، ولذلك قال من بعد :
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها
[ 24 - 25 ] فوصفها بالظن الذي لا يليق بالوجه . فإذا صح ذلك وجب كون الكلام مجملا ، لأن الجملة إذا وصفت بأنها ناظرة ، لم يفهم أن المراد بها الرؤية . وما يذكرون من قولهم : إن النظر إذا علق بالوجه فالمراد به الرؤية ، لا يصح ، [ لأن ] تعليق النظر بالوجه غير معروف في اللغة . والذي يعرف تعليقه بالعين هو الرؤية ، فأما تعليقه بالوجه ، فهو كتعليقه بالرأس ، في أنه غير معروف أصلا ! لأن هذا القول إنما كان يتم لو كان المراد بالوجه العضو المخصوص ، وقد بينا أن الأمر بخلافه ، ففارق ذلك ما استدللنا به من قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
« 1 » في نفى الرؤية ، لأن الإدراك المطلق متى قرن بالبصر ، لا يعرف في اللغة أن يراد به إلا الرؤية بالبصر . وهذا بين .
هامش
( 1 ) الآية 103 من سورة الأنعام . وانظر الفقرة 221 .