أحدهما ، وجب كفهما عن البغى بالمقاتلة . ونبه بهذين الطريقين اللذين أحدهما الإصلاح بالقول ، والآخر بالقتال ، على ما بينهما من الوسائط ، مما يقرب عنده كف الباغي عن البغى ، ولو كان الأمر على ما تقوله المجبرة لم يكن لذلك معنى ، لأنه تعالى إن خلق فيهم المقاتلة فالإصلاح لا يؤثر ، فإن لم يخلق ذلك فكمثل ، وكذلك كل من ينهاه عن منكر ، فعلى قولهم لا فائدة في النهى عنه ، لأن أمره في المستقبل موقوف على خلقه - تعالى - فيه المنكر أو ضده ، فما الفائدة في ذلك ؟
وإنما يصح على مذهبنا ، لأنا نبعث بذلك المقدم على المنكر إلى الكف عن أمثاله في المستقبل ، ونكون نحن عند ذلك أقرب إلى الامتناع من المنكر .
فأما على مذهبهم لا فائدة فيه على وجه ، وكذلك الأمر بالمعروف .
714 - وقوله ؛
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
[ 11 ] فمن قوىّ ما يدل على أن الفاسق لا يجوز أن يكون مؤمنا ، لأنه لو صح اجتماع الأمرين ، لم يكن لترتيبه لهما على الوجه الذي ذكره « 1 » معنى !
715 - وقوله تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
[ 14 ] فإنه لا يدل على أن الإيمان غير الإسلام ، وذلك أن المراد بهذا الكلام أنهم لم يؤمنوا في الحقيقة ، وانقادوا واستسلموا ، فذكر تعالى في حالهم ما ذكر ؛ يبين ذلك أنه تعالى قال :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ 14 ] ومن لم يدخل الإيمان في قلبه البتّة ، لا يكون مسلما عند أحد إلا بعض المتأخرين ؛ فإنه يقول في مظهر الشهادتين إنه مسلم ، لكنه لا يقول مع ذلك إنه مؤمن أيضا ، فلا يقدح خلافه فيما ذكرناه .
هامش
( 1 ) في الأصل : ذكروه .