الآية يدل على ما قلناه وذلك يوجب أنه أورد ذلك عليهم مورد الحجاج ، ليصرفهم به عماهم عليه من عبادة الصنم ، ولكي يعدلوا عن عبادة الصنم إلى عبادة اللّه تعالى . فلو حمل الكلام على ما قالوا لكان إبراهيم كأنه قال لهم : أتعبدون الأصنام ، واللّه خلقكم وخلق فعلكم ؟ ولو أراد ذلك لكان في نهاية الركاكة ، وكان لهم أن يقولوا : وما في أنه خلقنا وخلق أعمالنا ما « 1 » يوجب أن ننصرف عن عبادة الصنم ، فليس الصنم نحن ، ولا عملنا وإنما هو ثالث لهذين الأمرين اللذين ذكرنا ، فكيف ننصرف عن عبادته من حيث ثبت في غيره أن اللّه خلقه ؟ فكانت الحجة لهم عليه ثابتة ، وكل قول يؤدى إلى لزوم حجة الكفار للأنبياء ، فهو في نهاية الفساد .
فالصحيح إذن ما ذكرناه من أنه بين أنكم تعبدون ما اللّه خلقكم وخلقه ، فبأن تعبدوا اللّه الذي خلق الأمرين ، وهو مالك الضر والنفع ، أولى من أن تعبدوا الصنم الذي في أصل وجوده يحتاج إلى الإله الذي أدعوكم إلى عبادته ، فضلا عن سائر صفاته . وقد علمناه أنه متى حملوه على هذا الوجه فحجته لهم لازمة ، فحمله عليه أولى . وعلى هذا الوجه سلك الحجاج الذي قبله حيث قال :
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ
[ 92 ] وقال لهم :
أَ لا تَأْكُلُونَ
[ 91 ] ليتبين ذلك « 2 » للسامع أن الأصنام إذا لم يصح منها النظر ولا الأكل ولا التصرف فهي مدبّرة ، فلا يصح أن تعبد وتترك عبادة اللّه تعالى المدبر للخلائق .
وبعد ، فإنه جل وعز حكى عن قوم إبراهيم ، عليه السلام ، أنهم كانوا عباد أصنام ، وأنه صلّى اللّه عليه ، كان يخاطبهم دائما في ذلك ، ولم يحك عنهم الكلام
هامش
( 1 ) في الأصل : مما .
( 2 ) لعلها زائدة .