كما يعاقب على الذنوب فقال :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
« 1 » إلى قوله :
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ
.
والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الطبع في اللغة هو الختم والعلامة ، وليس يمنع عن الإيمان ، وبينا أنه تعالى يفعل ذلك بقلوب الكافرين في الحقيقة ، كما يكتب الإيمان في قلوب المؤمنين ، وذلك أنا قد بينا أن ذلك إنما يفعله لما فيه من اللطف والمصلحة ، وبينا أنه لو كان منعا لوجب حمله على التشبيه « 2 » ، كما حملنا قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
على هذا الوجه ، وفي الآية ما يدل « على هذا ؛ لأنه « 3 » قال تعالى :
فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
ولو كان يمنع في الحقيقة لما منع عن السماع ، وإنما كان يمنع الفهم والتمييز ، فلا يكون لذلك معنى على قولهم « 4 » ، ومتى حمل على التشبيه حسن موقعه ، لأنه كأنه قال : إن من وسم قلبه لا يفلح « 5 » لسوء اختياره وكفره المتقدم . وهو بمنزلة من لا يسمع الأدلة ولا يفهمها ولا يعرفها .
وقوله :
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ
« 6 » عقيب قوله :
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
يدل على أنه عقوبة على كفرهم المتقدم ، فلا يجوز أن يكون منعا عن الإيمان ، لأن المنع منه هو نفس الكفر ، ولا يجوز أن يكون الجزاء على الفعل هو نفس الفعل .
وبعد ، فليس في ظاهر الآية أنه تعالى قد فعل ذلك ، وإنما قال فيمن قدم
هامش
( 1 ) الآية : 100 وبعدها :[ تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ، كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ]101 .
( 2 ) انظر الفقرة : 18 .
( 3 ) في د : على هذه الآية .
( 4 ) د : قلوبهم .
( 5 ) ف : بأنه لا يفلح .
( 6 ) في د : فطبع اللّه على قلوبهم .
( م 19 - متشابه القرآن )