تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وليس لهم أن يقولوا : إنّما لم تكن شافعين فيه صلّى اللّه عليه واله وسلّم وكان شافعا فينا لأجل رتبته علينا . وذلك أن العقاب على ضربين : ضرب يعتبر فيه الرتبة كالأمر والنهي ، والضرب الآخر لا يعتبر فيه رتبة كالخبر . وما اعتبرت فيه الرتبة إنّما يعتبر بين المخاطب والمخاطب دون من يتعلّق الخطاب به . ألا ترى أن الأمر إنّما يعتبر فيه الرتبة بين الآمر والمأمور ، دون المأمور فيه ؛ لأن العالي الرتبة إذا قال لمن هو دونه : « ألق الأمير » كان كقوله : « ألق الحارس » ولا يختلف كونه أمرا باختلاف حالتي المأمور فيه ، والشفاعة ممّا يعتبر فيه الرتبة كالأمر ، لكنّها معتبرة بين الشافع والمشفوع إليه . فإذا قيل لنا : أليس لا يقال شفع الحارس إلى الأمير ، وهذا يدلّ على اعتبار الرتبة في المشفوع فيه . قلنا : إنّما لا يقال ذلك ؛ لأن شفاعة الحارس لم تجر العادة بأن تؤثر في إسقاط ضرر عن الأمير ، فلهذا لا يقال ذلك . فلو فرضنا أن الخليفة وجد على بعض أمرائه وأراد عقابه ، وأظهر أنه لا يسقط العقاب عنه إلّا أن شفع فيه بعض الحرّاس لسمّينا سؤال هذا الحارس شفاعة ، والحال هذه ، وان كنّا لا نسمّي قول الحارس للأمير : « افعل كذا » أمرا في موضع من المواضع ، فبان الفرق بين الأمرين وبين ما ذكرناه : انه كما لا يقال شفع الحارس في الأمير لا يقال سأل الحارس في إسقاط ضرر عن الأمير ، فلو كان إطلاق اللفظ الأوّل لم يجز للرتبة لجاز الثاني ؛ لأن كلّ لفظ يطلق للرتبة أطلق ما في معناه ؛ لأنه لا يقال : « أمر الوضيع الرفيع » ويقال : « سأله وطلب إليه » ، فعلم أنه إنّما لم يجز « شفع الحارس في الأمير » كما ذكرناه أن العادة لم تجر بأن يرجى بشفاعته سقوط ضرر عن الأمير ، ولهذا لم يجز ما في معناه وان لم يكن بلفظه . وممّا يوضح ما قدمناه : أن كلّ كلام اقتضى الرتبة لم يدخل بين الإنسان ونفسه ، ألا ترى أنه لا يقال : « أمر نفسه ونهاها » ، وقد يقال : « شفع لنفسه وفي حاجة نفسه » ، فلو اقتضت الشفاعة الرتبة في المشفوع فيه لم يجز ذلك .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 292 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي