تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
مواضع كثيرة نزلت من الحسن في أعلى منازله ؛ ولو أفردنا لما في القرآن من الحذوف الغريبة ؛ والاختصارات العجيبة كتابا لكان واجبا . فمن ظاهر ذلك قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
« 1 » ولم يأت ل « ولو » جواب في صرح الكتاب ؛ وإنّما أراد : لو أنّ قرآنا سيّرت به الجبال لكان هذا . ومثل هذا الحذف ما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم من قوله : « لو كتب هذا القرآن في إهاب وطرح في النار ما أحرقته النار » ؛ والمراد : وكانت النار ممّا لا يحرق جسما لجلالة قدره ما أحرقته ؛ فحذف ذلك اختصارا لدلالة الكلام عليه ، ومثل هذا قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 2 » وتقديره : إنّ السماوات والأرض والجبال لو كنّ ممّا يأبي ويشفق ، وعرضنا عليهنّ الأمانة لأبين وأشفقن . وجعل المعلوم بمنزلة الواقع فقال :
عَرَضْنَا
من حيث علم أنّ ذلك المشروط لو وقع شرطه لحصل هو . وهذا التأويل الذي استخرجناه أولى ممّا ذكره المفسّرون من أنّه تعالى أراد : عرضنا الأمانة على أهل السماوات والأرض ؛ لأنّ أهل السماوات والأرض هم الناس والملائكة ، فأيّ معنى لقوله :
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
وهو يريد الجنس ! ومثله قول الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قطني « 3 »
والمعنى امتلأ حتى لو كان ممّن يقول لقال ذلك ، وهذا أولى في نفسي من تفسيرهم هذا البيت بأنّه ظهرت منه أمارات القول والنطق .
هامش
( 1 ) سورة الرعد ، الآية : 31 . ( 2 ) سورة الأحزاب ، الآية : 72 . ( 3 ) بعده :حسبي رويدا قد ملأت بطنيوالبيت في مقاييس اللغة 5 : 14 .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 499 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي