تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
الجواب : قلنا في ذلك وجوه : منها : أن يكون تعالى لم يرد بقوله إنّهم سجدوا له تعالى إلى جهته ، بل سجدوا للّه تعالى من أجله ؛ لأنّه تعالى جمع بينهم وبينه ، كما يقول القائل : إنّما صليت لوصولي إلى أهلي ، وصمت لشفائي من مرضي . وإنّما يريد من أجل ذلك . فإن قيل : هذا التأويل يفسده قوله تعالى :
يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
« 1 » . قلنا : ليس هذا التأويل بمانع من مطابقة الرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة ؛ لأنّه عليه السّلام لمّا رأى سجود الكواكب والقمرين له كان تأويل ذلك بلوغه أرفع المنازل وأعلى الدرجات ونيله أمانيه وأغراضه ، فلمّا اجتمع مع أبويه ورأياه في الحال الرفيعة العالية ونال ما كان يتمنّاه من اجتماع الشمل ، كان ذلك مصدّقا لرؤياه المتقدّمة ، فلذلك قال :
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ
[ يوسف : 100 ] . فلا بدّ لمن ذهب إلى أنّهم سجدوا له على الحقيقة من أن يجعل ذلك مطابقا للرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة ؛ لأنّه ما كان رأى في منامه أنّ إخوته وأبويه سجدوا له ، ولا رأى في يقظته الكواكب تسجد له ، فقد صحّ أنّ التطابق في المعنى دون الصورة . ومنها : أن يكون السجود للّه تعالى ، غير أنّه كان إلى جهة يوسف عليه السّلام ونحوه ، كما يقال : « صلّى فلان إلى القبلة وللقبلة » . وهذا لا يخرج يوسف عليه السّلام من التعظيم ، ألا ترى أنّ القبلة معظّمة وإن كان السجود للّه تعالى نحوها ؟ ومنها : أن السجود ليس يكون بمجرّد عبادة حتّى يضاف إليه من الأفعال ما يكون عبادة ، فلا يمتنع أن يكون سجدوا له على سبيل التحيّة والإعظام والإكرام ، ولا يكون ذلك منكرا ؛ لأنّه لم يقع على وجه العبادة التي يختصّ بها القديم تعالى وكلّ هذا واضح .
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية : 100 .
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 496 | الشريف المرتضى / السيد مجتبى أحمد الموسوي