تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وقد قيل أيضا : إنّ اليهود وصفوا اللّه تعالى بالبخل ، واستبطؤوا فضله ورزقه ؛ وقيل : إنّهم قالوا على سبيل الاستهزاء : إنّ إله محمد الذي أرسله ؛ يداه إلى عنقه ؛ إذ ليس يوسّع عليه وعلى أصحابه ، فردّ اللّه قولهم وكذّبهم بقوله :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
، واليد هاهنا الفضل والنعمة ، وذلك معروف في اللغة ، متظاهر في كلام العرب وأشعارهم . ويشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
« 1 » ، ولا معنى لذلك إلّا الأمر بترك إمساك اليد عن النفقة في الحقوق ؛ وترك الإسراف ، إلى القصد والتوسّط . ويمكن أن يكون الوجه في تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا ونعم الآخرة ؛ لأنّ الكلّ - وإن كانت نعم اللّه - فمن حيث اختصّ كلّ واحد من الأمرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنّهما جنسان أو قبيلان . ويمكن أيضا أنّه أريد بها النعم الظاهرة والباطنة . فأمّا قوله تعالى :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
، ففيه وجوه : أوّلها : أن لا يكون ذلك على سبيل الدّعاء ؛ بل على وجه الإخبار منه عز وجل عن نزول ذلك بهم ؛ وفي الكلام ضمير « قد » قبل قوله :
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
، وموضع
غُلَّتْ
نصب على الحال ، كأنّه تعالى قال : وقالت اليهود كذا وكذا ؛ في حال ما غلّ اللّه تعالى أيديهم ولعنهم ، أو حكم بذلك فيهم ؛ ويسوغ إضمار « قد » هاهنا كما ساغ في قوله عز وجل :
إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ
« 2 » والمعنى : وقد صدقت ، وقد كذبت . وثانيها : أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يد اللّه مغلولة فغلّت أيديهم ، أو وغلّت أيديهم ، وأضمر تعالى الفاء والواو ؛ لأنّ كلامهم تمّ ، واستؤنف بعده كلام آخر ؛ ومن عادة العرب أن تحذف فيما يجري مجرى هذا الموضع ؛ من
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 29 . ( 2 ) سورة يوسف ، الآيتان : 26 - 27 .